في الحروب التقليدية قد يكون هناك مجال للتسويات او انصاف الحلول اما في الحروب الصفرية فالمعادلة مختلفة تماما حيث لا مكان للحياد ولا مساحة للمناورة بل صراع مفتوح تكون نهايته اما كسر ارادة الخصم او الانكسار امامه ولهذا تتحول كل اداة وكل مورد وكل نقطة قوة الى جزء من المعركة ولا يعود الصراع محصورا في الجبهات العسكرية بل يمتد ليشمل الاقتصاد والسياسة والاعلام والامن وحتى الوعي الجمعي للشعوب.
ضمن هذا الفهم يتشكل بنك الاهداف لدى الجمهورية الاسلامية بوصفه اداة مركزية في ادارة الصراع حيث لا يتم التعامل مع الاهداف بوصفها مواقع عسكرية فقط بل كمنظومة متكاملة من عناصر القوة التي يقوم عليها العدو فشبكات التمويل والبنية الاقتصادية وخطوط الامداد ومصادر الطاقة والمنصات الاعلامية كلها تدخل ضمن دائرة الاستهداف لان شل هذه العناصر يعني تفكيك القدرة على الاستمرار قبل الوصول الى المواجهة المباشرة.
ان هذه الاستراتيجية لا تقوم على الحسم السريع بل على الاستنزاف الطويل حيث يتحول الزمن الى سلاح بحد ذاته وتتحول الضربات المتراكمة الى ضغط مستمر يضعف العدو تدريجيا ويجعله يقاتل وهو فاقد للتوازن ومع كل ضربة تتآكل قدرته على اتخاذ القرار وتزداد كلفة الاستمرار حتى يصل الى مرحلة يصبح فيها الانسحاب او التراجع اقل كلفة من البقاء في ساحة المواجهة.
في المقابل تعتمد الولايات المتحدة على نموذج مختلف يقوم على التفوق المالي والتقني لكنه يبقى مرتبطا بعوامل داخلية حساسة مثل ضغط الرأي العام والتكلفة الاقتصادية والاستقرار السياسي ومع طول امد الحرب تبدأ هذه العوامل بالتحول الى نقاط ضعف حقيقية حيث تتزايد الاعباء المالية وتتسع فجوة التبرير السياسي وتتآكل القدرة على اقناع الداخل بجدوى الاستمرار.
اما الجمهورية الاسلامية وحلفاؤها فقد بنوا معادلتهم على الصمود الطويل والقدرة على امتصاص الصدمات وتحويل الخسائر الى عناصر قوة اضافية وهذا ما يجعلهم اكثر قدرة على الاستمرار في حرب مفتوحة حيث لا ينظر الى الخسارة بوصفها نهاية بل كجزء من مسار طويل يعاد فيه انتاج القوة من داخل الازمة نفسها.
وهنا تتجلى حقيقة الحرب الصفرية بوصفها صراع ارادات قبل ان تكون صراع قدرات فالقوة لا تقاس فقط بما يمتلكه الطرف من سلاح ومال بل بمدى قدرته على التحمل وعلى ادارة الزمن وعلى تفكيك خصمه تدريجيا حتى يفقد القدرة على الاستمرار وفي هذا النوع من الحروب لا يكون النصر لمن يوجه الضربة الاولى بل لمن يستطيع البقاء واقفا حتى اللحظة الأخيرة.
وفي لحظة التحول الكبرى لا يسقط الطرف الاضعف بضربة واحدة بل ينهار تحت ثقل التراكمات حين يكتشف ان ما يواجهه ليس مجرد خصم بل ارادة لا تنكسر ومشروع لا يتراجع عندها تفقد القوة المادية معناها حين تعجز عن فرض الحسم وتتحول الى عبء ثقيل يسرع من الانهاك الداخلي.
ان الحرب الصفرية لا ترحم المترددين ولا تمنح الفرص لمن يخطئ في قراءة الزمن فهي معركة وعي بقدر ما هي معركة قوة ومعركة نفس طويل بقدر ما هي مواجهة مباشرة ومن لا يدرك هذه الحقيقة يدخلها وهو يظن انه قادر على الحسم السريع فيجد نفسه غارقا في مستنقع استنزاف لا خروج منه.
وفي هذا السياق تتكرس معادلة حاسمة مفادها ان من يبني استراتيجيته على الصمود والاستنزاف يمتلك زمام المبادرة في المدى البعيد حتى لو بدا في الظاهر اقل قوة لان الزمن يتحول لصالحه والضغط يتراكم على خصمه حتى يصل الى نقطة الانهاك التي لا يمكن تجاوزها.
وهكذا لا تنتهي هذه الحروب ببيان رسمي ولا بتوقيع اتفاق بل تنتهي حين يسقط احد الاطراف من الداخل حين يعجز عن الاستمرار وحين تتحول كلفة البقاء الى عبء لا يحتمل عندها فقط يكتب الفصل الاخير حيث ينتصر من صمد لا من اندفع ومن فهم طبيعة الحرب لا من استعجل نهايتها .


