ليست هذه الحرب مجرد مواجهة عسكرية عابرة بل هي لحظة فاصلة في تاريخ المنطقة وامتحان قاس يكشف معادن الشعوب ويفضح حقيقة المشاريع التي تقف خلف هذا العدوان فمن يقاتل دفاعا عن وجوده لا يشبه من يشن الحرب ثم يبحث عن مخرج حين ترتد عليه النيران وقد اثبتت الوقائع ان الشعوب الشيعية في العراق ولبنان وايران واليمن لم تكن في موقع رد الفعل الضعيف بل في موقع الفعل الواعي الذي يدرك معنى الصمود ومعنى ان تكون المعركة معركة وجود لا معركة حدود.
لقد حاولت قوى كبرى بكل ما تملك من سلاح ونفوذ ومال ان تكسر هذه الشعوب فاستهدفت القادة ودمرت المدن وسوت الاحياء بالارض واعتقدت ان شدة الضرب ستقود الى الانهيار لكن الذي حدث كان عكس ذلك تماما اذ تحولت الدماء الى وقود وتحولت الجراح الى قوة دافعة نحو مزيد من الثبات ولم يخرج صوت الاستسلام من بين الركام بل خرجت ارادة اكثر صلابة تعلن ان هذه الامة لا تنكسر ولا تركع.
في كل ساحة من ساحات المواجهة كان المشهد واضحا لا لبس فيه رجال يقاتلون وهم يدركون انهم امام عدو لا يعرف الا لغة القوة وشعوب تساندهم وهي تعي ان التراجع يعني فقدان الكرامة والسيادة وفي المقابل كان الطرف الذي اشعل الحرب يكتشف تدريجيا انه تورط في معركة اطول مما توقع واعمق مما خطط له فبدأت علامات القلق والتراجع تظهر وارتفعت الاصوات التي تطالب بانهاء الحرب بعد ان اصطدمت بواقع لا يمكن كسره بسهولة.
ذوو الشهداء لم يبكوا على اطلال الخسارة بل وقفوا في وجه العالم ليعلنوا ان دماء ابنائهم ليست ثمنا للهزيمة بل بداية لمرحلة اشد صلابة وان كل قطرة دم ستتحول الى نار تحرق مشاريع العدوان هذا الموقف لم يكن عاطفيا عابرا بل تعبيرا عن وعي جمعي راسخ يرفض الخضوع ويحول الفقد الى قوة لا الى ضعف.
وفي اليمن قدم الحوثيون صورة صارخة لهذا المعنى حيث واجهوا الحصار والقصف دون ان ينكسروا بل حولوا سنوات الحرب الى فرصة لبناء قدرات جديدة واثبتوا ان الارادة حين تتسلح بالعقيدة لا يمكن اخضاعها مهما اشتدت الضغوط ومهما طال الزمن.
اما في ايران فقد سقطت كل الرهانات على تفكيك الداخل اذ توحد الشعب في مواجهة العدوان وادرك ان الخلافات مهما كانت حدتها تتلاشى حين يصبح الوطن مهددا فكانت النتيجة اصطفافا واسعا حول خيار المواجهة وتحولا حقيقيا من الجدل الداخلي الى الفعل المشترك دفاعا عن السيادة.
وفي لبنان لم تكن الانقاض نهاية الحكاية بل بدايتها اذ وقف الناس فوق ركام بيوتهم ليعلنوا انهم لن يغادروا ولن يستسلموا وان عبارة كلنا فدى المقاومة ليست شعارا بل عقيدة حياة تعني ان الكرامة اغلى من كل شيء وان الدمار لا يصنع الهزيمة بل قد يصنع بداية جديدة اكثر قوة ووضوحا.
ان المعادلة اليوم لم تعد قابلة للتشويه عدوان مدعوم من قوى كبرى يقابله صمود شعبي وعقائدي لا ينكسر ورغم كل ما جرى من قتل وتدمير وحصار لم تنحن هذه الشعوب بينما بدأ الطرف الاخر يترنح تحت وطأة الكلفة المتصاعدة وهنا تتكشف الحقيقة التي حاول كثيرون انكارها ان الارادة حين تكون صادقة تتحول الى قوة لا تقهر وان الشعوب التي تعرف لماذا تقاتل لا تهزم.
من قلب هذا الصمود يولد النصر لا بوصفه حدثا عابرا بل كنتيجة حتمية لمسار طويل من التضحيات والوعي والثبات ومع كل يوم تستمر فيه هذه المواجهة تتراجع مشاريع العدوان خطوة وتتقدم ارادة الشعوب خطوة اخرى حتى يصبح الانتصار واقعا لا يمكن انكاره وتتحول هذه الحرب من محاولة لكسر الارادة الى دليل دامغ على ان من يقف على ارضه مؤمنا بحقه لا يمكن ان يهزم مهما تكالبت عليه قوى الارض .


