لم يعد خافياً أن العدوان الإرهابي الصهيو-أمريكي على الجمهورية الإسلامية الإيرانية ليس حدثاً عابراً يمكن أن ينتهي في أيام أو أسابيع قليلة قادمة، بل هو صراع مفتوح على احتمالات متعددة، تتداخل فيه الحسابات العسكرية بالعقائدية، وتتشابك فيه المصالح الدولية مع ثوابت الهوية .. الإيرانيون -بوعيهم الوقّـاد- يدركون هذه الحقيقة بوضوح، فهم لا يخوضون معركة تقليدية بقدر ما يعيشون مواجهة وجودية يرون فيها امتداداً لعقيدتهم الحقة ورؤيتهم الكونية الربانية، ولذلك جاءت استعداداتهم شاملة: نفسياً وشعبياً وعسكرياً ..
قائمة على الإيمان بالله تبارك وتعالى، الإيمان بأنهم في قلب معركة عقائدية -حسينية- مصيرية لا تقبل التردد أو أنصاف الحلول.
في المقابل، يبدو المشهد العراقي أكثر ارتباكاً وتعقيداً ..
وأتحدث هنا عن المشهد السياسي حصراً .. ففي الوقت الذي تتجه فيه المنطقة نحو تصعيد قد يُـعيد رسم خرائط النفوذ، ما تزال -أغلبية- الطبقة السياسية في العراق تحاول أن تصوغ واقعاً افتراضياً قائماً على آمال بعيدة عن الإمكانات الحقيقية للدولة “أوهام”!
هذا الانفصال بين الواقع والتصور لا يمكن تفسيره إلا بجملة من العوامل المتراكمة التي باتت تشكل عائقاً حقيقياً أمام أي نهوض وطني جاد.
أول هذه العوامل هو (انعدام الرؤية الاستراتيجية): إذ تفتقر هذه الطبقة السياسية إلى مشروع وطني واضح المعالم، قادر على قراءة التحولات الإقليمية والدولية، والتعامل معها بمرونة ووعي ..
العراق، بحكم موقعه الجيوسياسي، لا يملك ترف الحياد الساذج أو الانتظار، بل يحتاج إلى قرار واعٍ يوازن بين مصالحه ويحفظ سيادته.
أما العامل الثاني، فهو (تغليب المصالح الخاصة على المصلحة العامة): لقد تحولت السياسة لدى كثير من الفاعلين السياسيين في هذا البلد إلى وسيلة لتحقيق مكاسب شخصية أو فئوية، حتى وإن كان الثمن إضعاف الدولة أو تعريضها لمخاطر وجودية!
وهذا النهج لا يفرغ الدولة من مضمونها فحسب، بل يجعلها عاجزة عن اتخاذ قرارات مصيرية في اللحظات الحرجة.
ويأتي العامل الثالث، -وهو الأخطر- متمثلاً (في حالة الخوف والجبن السياسي):
فالرهبة من اتخاذ موقف واضح، أو تحمل تبعات القرار، تدفع بالبعض إلى الهروب نحو الخطاب الضبابي أو التردد القاتل ..
وفي زمن الأزمات، لا يكون التردد خياراً محايداً، بل يتحول إلى عامل انهيار.
وبالتالي إن تُـرك العراق لطبقته السياسية الموجودة حالياً، ولم تندفع جهات أخرى -المرجعية الدينية العليا، القوى الشعبية المهنية المنظمة- فهذا يعني أننا نقف فعلاً على شفا هاوية، ليس بسبب قوة التحديات وحدها، بل بسبب هشاشة داخل أنتجته طبقتنا السياسية القاصرة ..
والدول لا تسقط فقط بفعل الضغوط الخارجية، بل عندما تعجز نخبها عن إدراك حجم الخطر والتصرف بمستوى المسؤولية.
وما بين صلابة العقيدة الإسلامية المحمدية الأصيلة في إيران وارتباك السياسة وضعفها حد الجبن في العراق، تتكشف حقيقة مؤلمة مفادها:
أن الصراع في المنطقة لا يُـحسم فقط بالسلاح، بل يُـحسم:
١- بوضوح الرؤية.
٢- وقوة الإرادة.
٣- وصدق الانتماء.
وإذا لم تُـراجع الطبقة السياسية العراقية حساباتها، فإن الوجع القادم لن يكون عابراً، بل قد يترك ندوباً عميقة في جسد الوطن يصعب شفاؤها.


