التفسير المدني للإنجيل… في البدء كانت الكلمة

التفسير المدني للإنجيل… في البدء كانت الكلمة
الكلمة في الإنجيل والقرآن ليست مجرد وسيلة تعبير، بل فعل تأسيسي للوجود والمجتمع والدولة. التفسير المدني يظهر أنها تولد العقود والميثاق والقوانين، وتحقق العدالة وتوحّد الناس على معنى مشترك....

في البدء كانت الكلمة… ليست جملة عابرة في إنجيل يوحنا، بل مفتاح لفهمٍ مدني عميق، يربط الوجود كله بالكلمة باعتبارها أصلًا ومنطلقًا. الكلمة في هذا النص ليست مجرد صوت أو حرف، بل كيان يحمل القدرة على الخلق والتأسيس. ومن هنا تبدأ رحلتنا مع التفسير المدني للإنجيل، تمامًا كما بدأنا من قبل مع التفسير المدني للقرآن، إذ لم نبحث عن معنى لاهوتي مغلق، بل عن معنى إنساني ومدني يُضيء للإنسان طريقه في المجتمع والدولة.

الكلمة في أبسط دلالاتها هي وسيلة للتعبير والتواصل. بها نتفاهم، وبها نعلن رغباتنا ونكشف أفكارنا. لكنها حين ترتقي إلى مستوى الإنجيل والقرآن، تتحول إلى ما هو أعمق: إلى فعل وجودي، إلى جسر بين الإرادة والواقع، إلى الأداة التي تجعل الإرادة الإلهية أو الإنسانية قابلة للتحقق. لذلك يقول القرآن: «إنما أمره إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون»، فالوجود يبدأ بالكلمة، والفعل يتحقق بالكلمة.

وليس صدفة أن يصف القرآن عيسى بن مريم في أكثر من موضع بأنه «كلمة الله»؛ فيقول: «إذ قالت الملائكة يا مريم إن الله يبشرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم» (آل عمران: 45)، ويقول أيضًا: «إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه» (النساء: 171). هنا تتحول الكلمة إلى إنسان حي، إلى رسالة متجسدة، إلى وجود يتحرك بين الناس. فالمسيح ليس نصًا مكتوبًا، بل كلمة حية تسير في الواقع، وتترجم الإرادة الإلهية إلى فعل إنساني.

التفسير المدني يجعلنا نقرأ هذه النصوص بعيدًا عن الجدالات العقائدية، لنفهم أن جوهر الكلمة هو التأسيس للعدل، للحق، وللمعنى المشترك بين البشر. الكلمة في الإنجيل والقرآن على السواء ليست أداة طقسية محصورة في المعابد، بل هي فعل مدني يشكّل الوعي ويؤسس للدولة. فمن الكلمة يولد العقد، ومن الكلمة ينشأ الميثاق، ومن الكلمة يقوم الدستور.

ولعل ما قاله الإمام عليّ بن أبي طالب يلخص هذا البعد المدني العميق حين قال: «والله لو ثُنيت لي الوسادة لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل القرآن بقرآنهم». أي فكر مدني أعظم من هذا؟ إن عليًّا كان يدرك أن النصوص الكبرى تحمل في جوهرها قيما مشتركة، وأن وظيفة القائد هي أن يستخرج هذه القيم ليقيم بها العدل بين الناس مهما اختلفت دياناتهم.

هكذا نفهم أن الكلمة هي أصل كل شيء: هي نبض البداية، وهي نبض الاستمرار. وإذا أردنا أن نبني دولة مدنية ذكية سيادية نابضة، فإننا لا نبدأ بالرصاص ولا بالمال، بل بالكلمة. بالكلمة التي تحمي الحق، بالكلمة التي توحّد الناس على عقد جامع، بالكلمة التي تعطي للمجتمع معنى وللدولة شرعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *