حربٍ بلا ملامح… ترامب يهرب الى الامام

حربٍ بلا ملامح... ترامب يهرب الى الامام
يعكس الخطاب المتناقض حالة ارتباك استراتيجي، حيث تتأرجح التصريحات بين إعلان النصر والتصعيد، ما يكشف غياب رؤية واضحة لإدارة الصراع، ويؤكد أن الضغوط النفسية والسياسية تحل محل الحسم العسكري في مواجهة معقدة...

خلال ثلاثة أسابيع فقط من اندلاع الحرب  الأمريكية–الإسرائيلية والعدوان ضد  إيران، قدّم دونالد ترامب نموذجاً صارخاً لخطاب سياسي يتأرجح بين إعلان الانتصار واستدعاء التصعيد في مشهد يعكس أزمة قرار أكثر مما يعكس وضوح استراتيجية.

فالرئيس الذي يعلن أن الحرب “شبه منتهية”، هو نفسه الذي يدفع بتعزيزات عسكرية جديدة إلى المنطقة وكأن الواقع الميداني ينقض الرواية السياسية.

وحين يؤكد أن الصراع “يتجه نحو الانحسار”، تستمر الضربات الجوية للكيان الصهيوني والصاروخية البالستية الايرانية  بوتيرة لا توحي بأي تهدئة بل تشير إلى حرب مفتوحة على احتمالات أكثر تعقيداً.

هذا التناقض لا يبدو عفوياً، بل يعكس ما يمكن وصفه بـ”إدارة الغموض القسري” حيث يحاول ترامب الجمع بين رسائل طمأنة داخلية لجمهوره ورسائل ردع قاسية لإيران لكنه  في هذه المعادلة يقع في فخ فقدان المصداقية :

فإذا كانت الحرب شارفت على النهاية فلماذا التهديد بضرب منشآت الطاقة؟

وإذا كان الجيش الإيراني “لم يعد موجوداً”، فمن الذي يواصل استهداف القواعد والمصالح الأمريكية؟

الأكثر دلالة هو التناقض حول مضيق هرمز ، فبينما يصفه ترامب بأنه “مناورة بسيطة”، يعود ليهدد بحرب أوسع إذا لم يُفتح خلال 48 ساعة وهنا يتكشف جوهر الأزمة الحقيقية وواشنطن تدرك أهمية المضيق الاستراتيجية، لكنها في الوقت ذاته تحاول التنصل من كلفة تأمينه بإلقاء المسؤولية على “دول أخرى”. إنها مفارقة بين الاعتراف الضمني بالخطر والهروب من استحقاقاته.

كما أن قائمة الأهداف التي نشرها ترامب – من تدمير القدرات العسكرية الإيرانية إلى حماية الحلفاء – تكشف فجوة أخرى وهي غياب هدف واضح يتعلق بضمان أمن الملاحة رغم أنه العنوان الأبرز للتصعيد وهذا يعزز فرضية أن الإدارة الأمريكية لا تمتلك تصوراً متماسكاً لنهاية الحرب، بل تتحرك ضمن ردود أفعال متسارعة.

في العمق يبدو أن تهديد الـ48 ساعة ليس سوى أداة ضغط نفسي وسياسي أكثر منه خطة عسكرية قابلة للتنفيذ ضمن هذا الإطار الزمني ، فالحروب الكبرى لا تُحسم بإنذارات زمنية قصيرة خاصة عندما يكون الطرف المقابل يمتلك أدوات ردع غير تقليدية، كما يظهر من استمرار الضربات الإيرانية الفاعلة والمؤثرة في أكثر من ساحة.

إن خطاب ترامب بتناقضاته الحادة يعكس مأزقاً استراتيجياً فلا هو قادر على إعلان نصر حقيقي ولا هو مستعد لتحمل كلفة حرب شاملة وبين هذين الخيارين يتشكل خطاب متقلب يحاول من خلاله أن يغطي على واقع ميداني أكثر تعقيداً حيث لم تعد القوة العسكرية وحدها كافية لفرض المعادلات.

في المحصلة ان ما نشهده ليس مجرد تناقض في التصريحات، بل تعبير عن ارتباك في إدارة الصراع حيث تتحول اللغة إلى أداة لتعويض غياب الحسم وهنا يصبح السؤال الحقيقي اليوم ؛

هل تمهّد هذه التهديدات لتصعيد أكبر أم أنها مجرد محاولة أخيرة لإعلان نصر لم يتحقق بعد؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *