في لحظة سياسية مشحونة أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتهاء “الأعمال العدائية” مع إيران، في خطوة بدت للوهلة الأولى كإشارة تهدئة بعد أسابيع من التوتر والتصعيد.
غير أن القراءة المتأنية لهذا الإعلان تكشف أنه لا يحمل بالضرورة معنى السلام، بل قد يكون مجرد إعادة صياغة ذكية للصراع ضمن حدود القانون والتحضير لضربة تجاه ايران .
فالإدارة الأميركية لم تتحرك في فراغ، بل ضمن قيود واضحة يفرضها قانون صلاحيات الحرب الذي يُلزم الرئيس بالحصول على تفويض من الكونغرس في حال استمرار العمليات العسكرية لفترة محددة ، ومن هنا يبدو أن إعلان “إنهاء الأعمال العدائية” ليس نهاية للحرب بل نهاية لمرحلة قانونية منها والاستعداد لمرحلة اخرى من الحرب ضد ايران .
هذه الخطوة تفتح الباب أمام تفسيرين متوازيين :
الأول يرى فيها مناورة دستورية بامتياز، حيث يتم تغيير توصيف العمليات لتفادي القيود دون تغيير جوهرها.
فالحرب في عصرنا لم تعد محصورة بالقصف المباشر، بل تشمل طيفاً واسعاً من الأدوات: عقوبات اقتصادية، ضغوط دبلوماسية، عمليات استخبارية، وانتشار عسكري محسوب.
وبهذا المعنى فإن “الهدوء” المعلن قد يخفي استمراراً للصراع بأدوات أكثر هدوءاً وأقل كلفة سياسية.
أما التفسير الثاني فيتعامل مع القرار بوصفه خطوة تكتيكية ذكية.
فالإدارة الأميركية عبر هذا الإعلان تخفف من ضغط الداخل السياسي وتُبقي في الوقت ذاته على هامش واسع للمناورة العسكرية.
إنها محاولة للجمع بين التهدئة الشكلية والجاهزية الفعلية بحيث تبقى خيارات التصعيد قائمة دون الاضطرار إلى خوض معركة قانونية مع الكونغرس.
لكن الأهم من كل ذلك أن هذه الخطوة تعكس تحوّلاً عميقاً في طبيعة الحروب الحديثة.
لم تعد المواجهات تُحسم فقط في ساحات القتال، بل أيضاً في قاعات التشريع، وعلى طاولات القانون، وفي كيفية توصيف الحدث ذاته: هل هو “حرب” أم “عملية”، “عدوان” أم “ردع”، “تصعيد” أم “إجراء وقائي”.
في هذا السياق يصبح إعلان انتهاء “الأعمال العدائية” أقرب إلى إعادة تموضع منه إلى انسحاب، وأقرب إلى استراحة محارب منه إلى إلقاء سلاح.
فالصراع بين واشنطن وطهران لم ينتهِ، بل دخل مرحلة أكثر تعقيداً حيث تختلط الحسابات القانونية بالرهانات العسكرية، وتُدار المواجهة بعناية بين ما يُقال رسمياً وما يجري فعلياً.
قد تكون هدنة على الورق لكنها قد تكون مجرد فصل جديد من حرب لم تُغلق صفحاتها بعد.


