التحديث ضرورة انسانية وحاجة ملحة ، فإن الإنسان يسعى دوما الى أن يتابع التغيرات التي تحدث في البيئة الاجتماعية المحيطة به ، وفي الوقت نفسه عليه أن يخلق من الأسباب ما يؤدي الى تغير هذه الهيأة ، ومحاولة التأثير فيها. فضلا عن ذلك إن الإنسان يطالب بالإصلاح والتحديث لأنه ” مدني الطبع مؤمن بالتطور والتقدم والرقي ” . ووجد الإنسان نفسه مرتبطا بالتطور والإصلاح ” فكل شيء لا يتطور فهو عرضة للإزالة وهدف للاختفاء ومعرض للإبادة “. كان موقف المسلمين حول التحديث اذا وقفنا في محطة تاريخية وهي بدايات القرن الماضي – بسبب ظلمة سواد الاحتلال العثماني- اذ انطلقت ضرورة التحديث أساسا كردة فعل على التخلف والجهل الذي ظهر بسبب معاناة الأمة الإسلامية والركود الفكري والاضمحلال بسبب هذا الاحتلال لأربعمائة عام . وفي هذا حقيقة ما يبرر للمسلمين البحث في سبل الخروج من هذا المأزق الذي اولد ظاهرة (الانهزامية) اذ عانى المسلمون من الهزائم المتكررة والاضطهاد ومن الاستهتار بهم واستغلال ثرواتهم والإهانات وبالتالي ظهر وهم (العقل المنهزم)، مما اثار الغيورين على الأمة ومستقبل الأجيال فدفعهم إلى اتخاذ مواقف منها سياسية مثل المقاومة الوطنية او مهادنة المحتل (لان وجده خير منقذ) او مواقف فكرية مثل التفكير بالتغيير والتحديث وعلى اشكال منها التوفيقية او التجديدية او التغريبية او الاصلاحية ومنها ما انطلق من استثمار الإسلام هو دين الحق، وهو الدين الذي ارتضاه الله لنا، ومحمد صل الله عليه واله وسلم خاتم الأنبياء والمرسلين، وتراث اهل بيت النبوة ، وما ورد في الكتاب هو ما أراد سبحانه أن يضعه بين أيدي الناس ليهتدوا به، ولهذا ضرب الله لنا في الكتاب من كل مثل حتى تكتمل البينات فلا يكون للإنسان حجة، قال سبحانه: ” ولقد صرفنا في هذا القرآن من كل مثل فأبى أكثر الناس إلا كفورا ” الإسراء، 89.
وجدت النخبة الفكرية ان المطلوب في هذه المرحلة ليس تحديث الإسلام وإنما تحديث العقل المسلم، أي عقول المسلمين التي تعاني من وهم القدم والجمود وهو (وهم التكلس) فالمشكلة ليست في الإسلام وإنما في العقل المسلم الذي يعاني من ضيق الأفق والانغلاق والتمترس خلف الأثر والعنصرية في التعامل. بل عانى من (وهم المقيد) فهو عقل مقيد بأغلال صنعها أصحابه، ويعيش على تقاليد وعادات أكسبها أصحابها صفة القدسية، وعلى فتاوى فقهاء عاشوا أزمنة مختلفة عن زماننا وخرج فقهم بسبب ظروف مرحلتهم التي ربما لا تلائم مرحلتنا او المستقبل. صحيح أن هناك نفرا من المسلمين، في مختلف الأصقاع والبلاد، يحاولون التصدي لجمود العقل والفكر ويعملون على تحرير العقل المسلم من المقيدات والكوابح، إلا أنهم اصطدموا بالمدرسة التقليدية التي عمقت (اوهام العقل) ومنها (وهم المقدس) فقد وجدت للعادات والتقاليد المختلفة المقيدة للتفكير مبررات دينية والتي قدست التراث الفقهي وجعلته جزءا لا يتجزأ من الدين جنبا إلى جنب مع الكتاب ومع ما توارثناه عن رسول الله صل الله عليه واله وسلم وتراث ال البيت عليهم السلام و ما زالت تسيطر على مقومات الفكر الإسلامي وعقله، وتعرقل الانطلاق نحو البحث والتدقيق والاكتشاف.
وقع المسلمون على مدى مئات السنين في (وهم الجمود والخمول ) وهو استنفاذ البحث عن الحقيقة والابتكار والاستنباط . لقد ظنوا أن الفقهاء السابقين قد أشبعوا الإسلام بحثاً وتدقيقاً ولم يتركوا شاردة أو واردة إلا ناقشوها ووضعوا الحلول الشرعية لها. فإذا أراد المسلم أن يعرف موقف الشرع من إشكالية معينة ما عليه إلا الرجوع إلى المراجع والكتب التي كتبها الاولين ويأخذ منها، وهي في اعتقاده لن تخذله لأنها جامعة شاملة. وعليه، فلا ضرورة لمواصلة البحث والتدقيق،ان هذا موقف خطير جدا لأنه عطل عقل المسلم وقضى على مجرد التفكير بأهمية مواصلة البحث في الأحكام الإسلامية، وبالتالي وجه ضربة قوية لجهود الاكتشاف والابتكار والإبداع، وأظهر الإسلام وكأنه غير قادر على معالجة شؤون الإنسان مع تطور حياته المادية والإجتماعية والإنسانية، وأنه لا يملك إلا حلولا كانت صالحة لفترات معينة من الزمن. وهذا يسبب جمود و خمول العقل المسلم وتقييده حول المسلمون الاوائل فقط من اجتهادات فقهية في الإسلام إلى الإسلام نفسه مثل غاية نشره او تبرير قيامه متناسين حاجات المسلمين. فلم تعد محاولات المسلمين الأوائل لفهم الإسلام واستنباط الأحكام مجرد محاولات عظيمة وإنما تحولت لأن تكون جوهر الإسلام بل مقدسة، لأن تكون للإسلام نفسه، وبالتالي أصبح الخروج عنها أو تحديها أو الإضافة إليها أو تعديلها دربا من دروب الخروج على الإسلام وإمعانا في جر المسلمين إلى (البدع) تضلهم وتبعدهم عن دينهم وهذا وهم شديد الخطورة .
عانى عقل المسلم من (وهم التشتت) اذ كثرت مصادر التشريع وكثرت المذاهب والطرق واختلطت الأمور بحيث غاب ميزان المرجعية في الأحكام من الناحية العملية. صحيح أن المراجع والكتب تقر بأن الكتاب هو مصدر التشريع الأول، وكذلك يفعل الأئمة والوعاظ والخطباء في المساجد، لكن التركيز في إصدار الأحكام الشرعية يعتمد غالباً على مصادر أخرى غير الكتاب وبالتحديد على السنة باتساعها وبما تشمله من أحاديث ضعيفة وأحاديث آحاد، وعلى اجتهادات واستنباطات الحكم الشرعي غير رصين. حتى أن العديد من المؤلفات الإسلامية الحديثة تسهب في الاعتماد على مصادر الاجتهاد على الرغم من أنها تصدر جدلها أو نقاشها بآية أو آيات من الكتاب الكريم. وكأن آيات القرآن قد تحولت إلى مجرد زينة يفتتح بها الكلام.
ومن اوهام العقل المسلم(وهم الاتجاه الواحد) فهو عقبة بوجه التحديث وتركيز المسلمين على زاوية علمية واحدة وهي زاوية الفقه الإسلامي الخاص بالحلال والحرام دون الزوايا الأخرى مثل علوم الاحياء والكيمياء والرياضيات والإحصاء والاجتماع، الخ. فإذا راجعنا الأدبيات الإسلامية الحديثة نجد أنها اهتمت في الغالب بقضايا الحلال والحرام واصبحت في كثير من الأحيان متشابهة في مواضيعها حتى أن بعض الكتب تكاد تخلو من أي جديد. لكن من الجدير بالذكر أن المسلمين الأوائل قادوا الأمم في العلوم الطبيعية والجغرافية والفلكية، لكن المسلمين اللاحقين لم يكملوا المشوار، وبقيت الجهود الإسلامية نحو اكتشاف قوانين الطبيعة والاجتماع وبناء الشخصية .لكن اللاحقين قد انصبت جهودهم وبشكل ضخم على فهم التشريع وإدراكه فظهر الإنتاج الأدبي في الأمور الفقهية غزير جداً. وتعددت الاجتهادات والمذاهب الفقهية وكتبت الكتب والمجلدات التي تزخر بها المكتبة الإسلامية.وهذه الجهود الكبيرة في القضايا الفقهية أدت إلى تراكم الأدبيات وخلقت نوعا من التعقيد الديني وعدم الاطمئنان إلى صحة ما يقوم به الإنسان لكثرة الاجتهادات. خلقت هذه الأمور تعقيدات ناقضت تماما مقولة أن الدين يسر. أهتم المسلمون فقط بتفاصيل الحركة في الصلاة وتفاصيل اللباس وتفاصيل الصدقة والزكاة والخمس …. الخ، وهي مهمة وضرورية في التدين لكن بات المسلم مثقلا بتعليمات تستهلك معنوياته ولا تقدمه خطوة واحدة إلى الأمام.
ان هذه الاوهام ظهرت بشكل تراكم زمني ازدادت ليس فقط بسبب الاحتلال العثماني فحسب بل بفعل التدخل الغربي سواء بالاحتلال او الهيمنة فضلا عن الاتجاهات المصوبة الى الاسلام واهله من الإسرائيليات والنصرانيات والاستشراق والصراع الديني مثل الحملة الصليبية، وان اوهام العقل المسلم افرزت مصطلح (معطلات العقل المسلم) وهي مرحلة يقف بها العقل عن التفكير والانتاج ويستباح وتطبق فيه برامج عالمية مثل العولمة والغربنه وفريسة سهلة للحركات الدينية المنحرفة .
لكسر تلك الاوهام امرنا الله سبحانه بمواجهتها بل ان تحرير العقل المسلم من اوهامه جزء من رسالة الاسلام وخير ما اشار لذلك عز وجل هو التدبر والتفكر والتعقل. فمثلا يقول سبحانه ” أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها، ” ( محمد، 24 ) ويقول ” قل انظروا ما في السموات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون ” ( يونس 101 )، ويقول ” بالبينات والزبر وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون ” ( النحل، 44 ). وأمرنا الله مباشرة بالتنقـيب والبحث بقوله: ” قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق ثم الله ينشئ النشأة الآخرة إن الله على كل شيء قدير ” ( العنكبوت، 20 ). وقال: ” الذين يذكرون الله قياما وقعودا وعلى جنوبهم و يتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلا سبحانك فقنا عذاب النار ” ( آل عمران، 191 ). وأكد لنا سبحانه أن العلماء هم الذي يعملون التأويل بقوله ” فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب ” ( آل عمران، 7 ). مما يعني أن العلماء هم الذي يواصلون الكشف عن الحقيقة ويستطيعون تدريجيا التقدم في مختلف مجالات الحياة. ومن الجدير ذكره أن كلمة العلماء لا تعني الفقهاء وإنما العلماء في مختلف التخصصات والمجالات، والفقهاء ليسوا إلا فئة من العلماء. تبيان الحق لا مفر منه في النهاية حيث قال سبحانه: “سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد” ( فصلت ، 53 ).
في ذات الوقت قال لنا سبحانه بمواجهة اوهام العقل اذ قال ” ويحق الحق بكلماته ولو كره المجرمون ” ( يونس، 82 ) وقال ” خلق السموات والأرض بالحق تعالى عما يشركون ” ( النحل، 3 ). فالحق عبارة عن وجود موضوعي، إنه حق مطلق، ومن شأن المسلم أن يواصل البحث والتدقيق حتى يتطور وعيه بهذا الوجود، وكلما واصل البحث انبثقت أمامه حقائق جديدة تجعله أكثر قربا من معرفة الحق. أي أن السبيل الوحيد أمام المسلم للتطوير والتقدم والتحديث هو مواصلة البحث، أما الاعتماد فقط على ما فعله الغير أو على ما توصلوا إليه ليس من الإسلام في شيء. لاشك أن الإفادة من عمل الآخرين مهمة وضرورية لكنها يجب أن تكون نقطة للانطلاق نحو مستوى علمي ومعرفي أرقى. أما التسليم والاكتفاء بما قام به الغير من سلف صالح أو من أمم أخرى لا يورث إلا الكسل وضيق الأفق والتحجر الفكري وضعف الإرادة والتفتت والهزيمة.ان التمسك بكتاب الله هو الحق، والإسلام مؤمن بالتحديث لأنه دين الحق، وعلى المسلم أن يواصل البحث نحو معرفة الحق. هذا بالتحديد ما يضمن لأمة الإسلام والعقل المسلم الاستمرار في التقدم .


