الطالب بشير غفار مرهون
دمارًا واسعًا طال الإنسان والعمران والعلم معًا. فقد أدّى دخول المغول إلى بغداد إلى تخريبٍ منهجيٍّ للمدينة، شمل قتل أعدادٍ كبيرة من سكانها، وتدمير مؤسساتها الدينية والتعليمية، وانهيار النظام الإداري والاجتماعي الذي كان قائمًا فيها.
وقد كان الأثر الأشدّ عمقًا لسقوط بغداد هو ما لحق بالحياة العلمية والثقافية؛ إذ دُمّرت المدارس، وأُحرقت المكتبات، وأُتلفت آلاف المخطوطات التي كانت تمثّل خلاصة قرونٍ من الإنتاج العلمي في الفقه، والتفسير، والطب، والفلسفة، واللغة، والتاريخ. كما قُتل أو شُرّد عدد كبير من العلماء والأدباء، مما أدى إلى انقطاع حركة التعليم والتأليف لفترة طويلة، وتراجع دور بغداد بوصفها مركزًا إشعاعيًا للعلم والثقافة في العالم الإسلامي.
وكان رد فعل العراقيين الوطني شمل كافة اصنافهم فالقبائل العراقية مثل ال فضل وال ربيعة استطاعت من اخراج غرب العراق من الاحتلال الاجنبي اما العلماء من رجال الدين استطاعوا من تعزيز مصطلح الجهاد في الاذهان، ومقاومة الغزاة، وتصوير طبيعة الغزو لعامـة أفـراد المجتمع وطبقاته، بل وللأجيال القادمة بعدهم. وقد تجلت مواقف العلماء والادباء الفكرية تجاه الغزو المغولي في صور منها الخطابة والوعظ فتعد الخطابة والوعظ، من أهم الوسائل الاتصالية مع الجماهير، وثمرتهما عظيمـة ونافعـة، إذا أحسنت إدارتهما ووجهت غاياتهما وأهدافهما، وتوافقا مع نوازل الأمة ومتطلبات ظرفها القائم. وقد أدرك علماء الأمة هذه الضرورة؛ فوجهوا الخطابة عند حلول نازلة الغزو المغولي إلى مـا يحقق للمجتمع سلامته ونصرته، وأن يخطبوا به للناس على المنابر، فيما يتعلق بالجهاد وبيان فضائله، ويستثيروا عامة المسلمين للجهاد ببيان ما فعله المغول ببغداد من تخريـب وتـدمير وقتـل ونهـب وانتهاك للأعراض والحرمات واعتداء على المساجد والجوامع وقتل للأطفال والشـيوخ والعجـائز وبقر لبطون الحوامل، كما ذهب الوعاظ للطواف بالقرى؛ لدعوة أهلهـا إلـى الجهاد وترغيبهم وتشجيعهم لذلك، واشترط فيهم حفظ سورتي الأنفال والتوبة غيبا؛ فكان من جراء ذلك أن صارت المنابر والجوامـع والأنديـة ومجالس القرى تعج بآيات القتال، حتى كاد الرجال والنساء والأطفال يحفظوها جميعهم. اما الشعراء فبعد ما جرى على بغداد من دمار ومصائب واتلاف بالمكاتب والمدارس ودور العلم واتلاف اعداد كبيرة من الكتب في نهر دجلة دفع الشعراء من نظم قصائدًا كثيرة ابدوا فيها احساسهم وما نالهم من الم من هذه الواقعة التي لم تضارعها واقعة (ضياع بغداد) على يد المغول.
ولا محال لا يراد جمع ما قيل من شعر عن هذه الحادثة وما ولد ته من ضجة في العالم الاسلامي فقال الشاعر شمس الدين الكوفي :
بـانـوا ولي أدمعٌ في الخَدّ ِ تشتبــكُ ولوعـة في مجال الصدر تعتركُ
بالرغـم ِ لا بالرضى منّي فراقهـمُ ساروا ولم أدرِ أيّ الأرض قد سلكوا
يـا صاحبـي ما احتيالي بَعد بَعدُهم أشِـرْ عليِّ فـأنّ الـرأيّ مـشـتــركُ
عَـزَّ اللـقـاء وضاقـت دونه حيلــي فالقلـب في أمره ِ حيرانُ مرتبـــكُ
يـعـوقـنـي عن مُـرادي مابليتُ بــهِ كمـا يعـوقُ جناحَي طائر ٍ شَـــرَكُ
أرومُ صـبـرًا وقلبـي لا يطاوعنـي وكيف ينهض مَنْ قـد خانـه الــوَرِكُ
يا نكبـةً ما نجـا من صَرفها أحَّدٌ من الورى فاستوى المملوك والملِـكُ
اما المدن العراقية فعلى الرغم من انتشار انباء القوة التي استخدمها الغزاة المغول في تعاملهم مع اهالي بغداد لكنها وقفت بعض المدن العراقية مقاومة الاحتلال المغولي، فقد شهدت مدن الحلة وواسط واربيل والموصل مقاومة عسكرية للمغول. فمدينة واسط التي وصلها جيش المغول بعد احتلال بغداد قاومت ولكن تفوق المغول العددي والتسليح رجح كفتهم ومع ذلك فقد استبسلت المدينة في دفاعها وقدمت من اربعين الف شهيد قبل ان تعلن خضوعها. وفي الوقت الذي باشر به هولاكو بالزحف على بغداد عهد الى قائده ارقیو نویان بمحاصرة اربيل ونتيجة صمود المدينة عجز القائد المغولي من احتلالها على الرغم من محاولة حاكمها تاج الدين بن صلايا اقناع الاهالي بتسليم القلعة له ، حيث قوبلت مساعيه بالرفض ولم يسمح له المدافعون عن بالدخول فأرسله ارقيو نويان الى هولاكو الذي قام بقتله لعدم تمكنه من اقناع اهالي اربيل بتسليم القلعة للمغول.
وقد اضطر القائد المغولي بعد ان استعصى عليه تحقيق أي تقدم لاقتحام القلعة الى طلب المساعدة من بدر الدين لؤلؤ صاحب الموصل، فارسل له عددا من الجنود، لكن بدون جدوى. وقد تمكن اهل القلعة من شن غارة ليلية على المغول، وقتلوا كل من وجدوه و اشعلوا النار في المنجنيقات واحرقوها ثم عادوا الى القلعة. تبعت الموصل اربيل في الثورة والتصدي لحكم المغول فبعد وفاة بدر الدين لؤلؤ عام 1260م تولى الحكم بعده ولده الملك الصالح اسماعيل الذي اعلن الثورة على المغول.وبالرجوع الى القبائل العربية ودورها في مقاومة الاحتلال المغولي ظلت القبائل العربية بالرغم من وجود تنظيمات الجيش في اواخر العصر العباسي القوة الاحتياطية العسكرية التي ترفد بالمقاتلين في اوقات تعرض الدولة العربية للأخطار الخارجية.
وتمكنت بعض القبائل العربية في عهد الاحتلال ان تطرد الوجود المغولي من مناطق عديدة وتقصره على المدن الرئيسة حيث تتركز قواته. واهم القبائل العربية كانت ال ربيعة، وال فضل ومواقع سكناهم تمتد من حمص وقلعة جعبر الى الرحبة، ثم على شقي الفرات واطراف العراق الى البصرة .
وقد فرضت وجودها وسيطرتها على مناطق غربي العراق وجعلته خارج اطار نير الاحتلال الاجنبي. ومن مآثر ال فضل ما قاموا به من دور مشهور في معركة عين جالوت عام 1260م ضد المغول وكان امير العرب آنذاك هو الامير شرف الدين عيسى بن مهنا بن مانع الذي اشترك مع الملك المظفر قطز حاكم مصر وكان النصر حليفهم. وقد استمر ال فضل الطائيين في الوقوف بجانب المماليك ضد المغول واوقعوا بهم خسائر عسكرية جسيمة في معركة حمص عام 1282م.
وكانت القبائل العربية فضلا الى سيطرتها على مناطق واسعة من العراق وجعلها بعيدة عن هيمنة الغزاة فإنها كانت تنتهز ضعف الحاكم وتتحداهم بإعلان الثورة كما حدث في عام 1284م حيث ثار العرب في جنوب العراق و اطراف واسط فهاجمهم المغول وقتلوا منهم و نهبوا اموالهم. وفي عام 1293م ثار العرب في عين التمر و الكبيسات ولما هاجمتهم القوات المغولية لاذ بعضهم بالفرار الى منطقة الاهوار والمستنقعات. وغالبا ما كانت ثورات العرب تشتد عندما يشرع المغول بمهاجمة بلاد الشام من اجل مشاغلة الجيش واضعافه كما حدث عام 1298م حيث انتفض العرب في البطائح وهاجموا القوافل التجارية فاشغلوا السلطان غازان واخروا حملته لغزو الشام، لاضطراره لتسيير بعض فرقه العسكرية اليهم. وهكذا ساهم العراقيون في المقاومة للغزاة المغول بدافع وطني متقدم اشترك فيه حب الاوطان والجهاد في سبيل الله.
المصادر
ايناس سعدي عبد الله، تاريخ العراق الحديث.
خميس بن علي الرواحي،موقف العلماء المسلمين في العراق وبلاد الشام من الاحتلال المغولي.
عباس العزاوي،تاريخ العراق بين احتلالين.


