بواكير التعليم العلماني في العراق

بواكير التعليم العلماني في العراق
يحلل النص تطور التعليم العلماني في العراق بين ١٩١٥ و١٩٣٠، مبرزًا دور الاحتلالين البريطاني والأمريكي في إرساء سياسات تعليمية تهدف لتقوية النزعة القومية والعلمانية على حساب التعليم الديني والهوية الإسلامية....

يرجع التعليم العلماني في العراق الى عام 1915 بسبب ظهور أول سياسة تعليمية من مدينة البصرة

كان التعليم في العراق قبل الاحتلال البريطاني عام 1914معتمد على الاتجاه الديني منذ الاحتلال العثماني 1534اذ كان وفق نمطين  الأول: الدراسة الدينية في المدارس الملحقة بدور العبادة  ثانيا: الدراسة الدينية في المدارس الدينية الرسمية ،وتركزت في مراكز المدن العراقية الرئيسية الثلاث (بغداد والبصرة والموصل) ففي بغداد تجد التعليم في جوامع (الإمام الأعظم والسليمانية والعلية والمراديه والباروديه و الفضل والباجه جي والمرجانية والحاج نعمان والطبقجلية والقبلانية والخلفاء والرواس والشيخ الأنصاري والخاتون ) وفي الموصل (الباشا والرابعية والنعمانية ويحى باشا والاغوات والاحمدية و الخاتون )وفي البصرة  كان الاهتمام الحكومي ضعيف اذ كانت مدرسة واحده وهي (الرحمانية)

وبسبب سياسة التعليم العثمانية  اضطر بعض أهالي الطلبة المؤمنة بالتعليم العلماني إلى إرسال أبنائهم إلى المدارس التبشيرية) التي تتبع طرق وأساليب جديدة في التدريس  وتعلم اللغات الأجنبية كالانكليزية والفرنسية والألمانية وأثمرت المدارس التبشيرية في خلق نخبة مثقفة من العراقيين كان لهم دور في تاريخ العراق السياسي وبخاصة بعد الحرب العالمية الاولى واحتلال البصرة في 25 أب 1914 خربت معظم مدارسها تحت أنظار الغازي الجديد ، ولم تسلم إلا المدارس التبشيرية  ويبدو سلامة هذه المدارس من أيدي العابثين يرجع إلى وجود قوة بريطانية تحمي هذه المدارس سيما إن المدارس الحكومية تعد إحدى رموز السلطة العثمانية في المدينة. أراد البريطانيون كسب ود المجتمع البصري ،وكان الحل هو وضع شؤون التعليم البصرية علماني تحت إشراف البعثات التبشيرية المسيحية البروتستانتية وإدارتها في 15 شباط 1915 وهو أمر مفيد للبريطانيين أكثر لان مدارس البعثات التبشيرية تحجم النزعة الإسلامية وهذا الحل أصبح بمثابة أول سياسة تعليمية علمانية في العراق وضعت في مدينة  ألبصره وبإشراف  المدارس التبشيرية البروتستانتية الأمريكية، وتعتمد على إعداد دورات تدريبية سريعة لإعداد المعلمين وبخاصة عندما تخلق هذه الدوارات جماعة من المتعلمين العلمانيين الباحثين عن الوظائف والمتفائلين بالمحتل الجديد  فضلا عن إعداد كوادر لمساعدة هذا المحتل ، ولذا بقي عدم فتح أي مدرسة رسمية او وضع سياسية تعليمية جديدة حتى عام 1917 ووضع البريطانيون خطة ذكية هي سياسة ضرورة تعلم الشبان المسلمين اللغة الانكليزية مثل الشبان اليهود والمسيحيين الذين تعلموا هذه اللغة في مدارسهم التبشيرية

وبعد احتلال مدينة بغداد في 11 آذار 1917 فرض المحتلون سياسية تعليمية علمانية  تختلف عن سياستهم في مدينة البصرة ،اذ اعتمدوا في التعليم على نخب عربية وإعداد معلمين عن طريق الدورات السريعة مدتها ثلاثة أشهر يُدرسهم معلمون عرب ، ومنع كل معلم قديم من العودة ما لم يكون قد دخل هذه الدورة ،ومنح كل طالب مبلغ ثلاثين روبية  وهذا الأمر سياسي قبل إن يكون علمي فجلب النخب العربية هو بغية تشجيع المشاعر العروبية على حساب النزعة الإسلامية ،وهم (حسني بك عبد الهادي واديب وهبه  ” من فلسطين واختصاصهما تاريخ” ) و(نجيب الارمنازي” مصري الجنسية واختصاصه تاريخ” ) فضلا عن إيجاد جسور بين الاحتلال والعراقيين .

تطورت السياسة التعليمية في العراق بعد تأسيس دائرة المعارف العمومية في بغداد عام 1918 والتي تولاها (همفري بومن ) في 22 أب 1918 وكتب تقريراً لخص فيه هدف السياسة التعليمية البريطانية في العراق ذات الصبغة العلمانية الواضحة بالقول : ” إن تقدم للبلاد تربية ابتدائية صحيحة يبنى عليها صرح متين دائم وان تفتح مدارس جديدة بالتدريج كلما توفر المعلمون المدربون وان ينتخب المعلمون من أحسن المرشحين اجتماعيا وخلقيا وعقليا فتدفع لهم الرواتب العالية وان يوضع نصب العين الهدف الحقيقي وهو تكوين الشخصية وروحية المواطنة الحقة ” ويبدو إن هذه الروحية هي مثل الروحية التي زرعت عند المصريين والتي ساعدت البريطانيين في انسلاخ المصري من جلد الخلافة العثمانية ،فهي محاولة نزع أفكار الخلافة العثمانية من عقول ووجدان العراقيين.

أصبحت وزارة المعارف في العهد الوطني مؤسسة جامعة من وزير ومستشار ومدير عام ومجلس معارف  ،تمارس نشاطها  بمركزية القرار فوزير المعارف (السيد هبة الدين الشهرستاني ) في حكومة(عبد الرحمن النقيب الثانية 12 أيلول 1921)كان (ساطع ألحصري ) يرغب في فلسفة تعليمية تصطبغ بالصبغة العسكرية والعلمانية ،وهي السياسة التي التقت مع البريطانيين والسياسيين العسكريين العاملين في الحكومة العراقية فأدخل بالتعليم( فرق الكشافة) وهؤلاء الراغبون في هذه السياسة كانوا يريدون فرض مفاهيم انضباطية على العراقيين قائمة على الانصياع والالتزام ، بغية خلق مجتمع منظم منضبط ومطيع ينزع جلد البداوة من شخصيته ،وذو مشاعر إسلامية ضعيفة ، والبريطانيون وجدوها ضامنة لأمنهم ومصالحهم ،وعاملاً مساعد في تحجيم المشاعر الإسلامية ليس التخوف من المشاعر الإسلامية الموالية  لتركيا فحسب بل الاسلامية العامة التي حذرت منها سكرتيرة الإدارة البريطانية في العراق(مس بيل) في رسالة لها 16 شباط 1922 بالقول: ” … يعلم الله انهم يملكون حكمة على درجة كافية من الصواب ولا تعوزهم الا الشجاعة الادبية ليخلعوا رقابهم نير السيطرة الطويلة الأمد التي تفرضها عليهم الفروض الثيوقراطية [ الحكم الديني ] في الشؤون البشرية بحيث أصبحت حبلاً خانقاً لهم ”

تم الاعتماد على الكُتَاب والمثقفين وحتى المعلمين في وضع مناهج للتعليم ،وفرض (الحصري) نفسه في هذه السياسة عندما فرض موضوع منهجي للتعليم وهو (القومية الأوربية) و(المبادئ الانضباطية) فالأولى ظهرت في مادة التاريخ في موضوعي (الوحدة الايطالية والوحدة الألمانية) بل المَحَ(الحصري ) في هذه المادة إمكان العراق إن يلعب دور تحقيق الوحدة العربية مثلما حققته( بيدموت) او (بروسيا) في تحقيق الوحدة الايطالية والألمانية وهي فلسفة تتجه نحو تعزيز المشاعر العروبية في العراق على حساب المشاعر الدينية ، أما (المبادئ الانضباطية) فقد عزز منهاج المعلومات الأخلاقية والتربوية والنشيد الوطني  وهذا الأمر يعمل باتجاه الحكومة المركزية وإذابة المجتمع في مجرى واحد يمهد للعلمانية المستقبلة لشتى الأفكار الوضعية .

كانت حجة(الحصري) في انتهاج هذه السياسة راجع إلى هدفه في إيجاد سياسة تعليمية تعمل على تحديث العراق ،وإذابة أقلياته وطوائفه وجعل العنصر العربي هو السائد،وإبعاد الدين عن السياسة ،ووصُفت سياسته بالقول: “.. قدمَ إلى العراق بعد سقوط الإدارة الشريفية في دمشق وكان على علاقة جيدة بالنخبة الإدارية للدولة الجديدة وقد مكنه هذا المنصب من وضع أسس نظام تربوي شديد المركزية والانضباط ونخبوي من الدرجة الأولى في العراق ووضع منهج دراسي وسياق للكتب المدرسية استناداً على تفسير علماني للقومية العربية “.

وأفرزت هذه السياسة التعليمية ظواهر اجتماعية. وهي اتجاه العوائل المحافظة بأبنائهم إلى المدارس الأهلية رغم معرفتهم أنها ذات مستوى علمي متدني ، بحجة إن السياسة التعليمية الحكومية علمانية تبعد الدين عن منهاجها ، ولذا فهم ينظرون إلى هذه السياسة نظرة المتشكك.

كانت وزارة المعارف من أسرع الوزارات في نقل السلطة للعراقيين ،والذين رسموا سياسة تعليمية يغلب عليها الطابع العلماني. وبخاصة بعد تعيين (ساطع الحصري)مدير عام للمعارف في 17كانون الثاني 1923  فَفرض تدريس أربعة مواد (للتاريخ) في المرحلة الأولى لدار المعلمين العالية وهي (تاريخ عام وحديث ) و(مدن عراقية) و(التاريخ الطبيعي )و(تاريخ العرب والإسلام ) والمواد المتبقية هي (علم النفس وفلسفة العلوم وأصول التدريس والجغرافية الاقتصادية والفيزياء والكيمياء) وأفرزت السياسة التعليمية حالة طارئة على المجتمع العراقي حاولت تمزيق نسيجه الاجتماعي . فبعد قيام (ساطع الحصري) اسَتقدام مدرسين عرب للتدريس في بغداد ،واحدهم مدرس التاريخ (انيس زكريا النصولي) الذي طبع كتاب (الدولة الاموية في الشام) وفيه مجموعة من المفاهيم المغلوطه تاريخيا التي أثارت شيعة العراق فكان الإجراء لردم تلك الهوة قيام وزير المعارف (عبد المهدي المنتفجي) بفصل هذا المدرس في 29 كانون الثاني 1927 مع منع عرض الكتاب فكانت ردة الفعل عند(ساطع الحصري) على إجراءات الحكومة بطرد المعلم (محمد مهدي الجواهري )  من سلك التعليم  بحجة إن أصله فارسي في 31 آذار 1927 وهو الإجراء الذي رفضه (عبد المهدي المنتفجي) مؤكداً إن إقالة المعلمين من صلاحية الوزير، وبعد مساجلات مع ألحصري قدم الأخير استقالته ليتفرغ للتدريس في دار المعلمين العالية

وبنية الإصلاح ألغت وزارة المعارف (جامعة إل البيت) والحجة السيطرة على مناهجها  الا ان الغاية تبدو رغبة من الحكومة في السيطرة على جماح الإسلاميين المتشددين وتحديد حريتهم، بعد ان ظهر دورهم في إثارة الاضطرابات في مشكلة النصولي وزيارة الفريد موند ، بل وضعت  وزارة المعارف (قانون المعارف العام) في 20 تشرين الثاني 1928 ودواعي التأسيس بسبب عدم وجود قوانيين وأنظمة تتحكم في مقدرات التعليم في العراق من حيث الإدارة والتأسيس، وبعد حصول موافقة الحكومة اصُدر برقم (28) لسنة 1928 (135) وهو قانون يؤكد على مركزية السياسة التعليمية من جهة والارتداد الى التعليم العثماني والاستعانة به .

وضعت وزارة المعارف في 30 تشرين الثاني 1930 لجنة من الخبراء لتحسين شأن التعليم ،وأوصت ضرورة اعتماد النهج الأمريكي في التعليم  ويبدو إن هذا الأمر هو من ترتيب البريطانيين الذين يريدون كسب طرف مؤثر في (عصبة الأمم ) يَشهد بتحسن الأحوال الاجتماعية في العراق عند رفع التقرير الدوري الخاص بالعراق ،وهذا الأمر أراد الأمريكيون استغلاله بعد إن أصبح لها حصة في نفط العراق، وبالتالي استغلال جميع الوسائل بغية ضمان مصالحها (140) وبخاصة وسيلة التعليم لأنه وسيلة فاعلة في خلق اتجاه من النخب المتعلمة تميل للولايات المتحدة الأمريكية،وتبلور هذا الأمر إلى اتفاقية خاصة بالتعليم بين الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة في 9 كانون الثاني 1930  واستمر العمل بنظام البعثات العلمية

كانت سياسات التعليم في العراق للحقبة 1915 -1930 نابعة من فلسفة سياسية تخدم مصالح واضعيها، وتحقق أهداف تختلف من مدة إلى أخرى فأعوام 1915-1918 كانت تهدف إلى خلق الأمن وكسب جانب الأهالي، وأصبح التعليم بمثابة دعاية بريطانية تزيين شكل الاحتلال  ،فوضع البريطانيون سياسة تعليمية بالاعتماد على البعثة التبشيرية البروتستانتية الأمريكية وهذه البعثة لم تهتم إلا بالتبشير والمصلحة قبل العلمي ، فضلا عن الابتعاد عن التعليم ذو النزعة الإسلامية، وهو ما يبتغيه البريطانيون.

إما المدة 1918-1920 كانت تهدف إلى تحقيق الاستقرار للاحتلال البريطاني وخلق جيل من العراقيين ينبذ الخلافة العثمانية وكل من يلبس ثوب الإسلام ،إما المدة 1920-1930 فكانت سياسية بامتياز قبل ان تكون تعليمية فكانت ذو فلسفة تربوية تسعى إلى خلق  مجتمع جديد مطيع للسلطة، فظهرت سياسات تعليمية انضباطية تقتل روح الحرية الفطرية المسكونة في الفرد العراقي،وتضعف انتمائه الديني ،وتحويل أنظاره ومشاعره باتجاه مساندة السلطة ،وبالتالي ظهور حالة اجتماعية وهي ان المتعلم هو للدولة ،والتي دفعت الى إصرار أولياء الأمور بدفع أبنائهم إلى المدارس الحكومية دون غيرها  لا لأجل العلم بل الغاية هو الوظيفة المضمونة التي تزيد صاحبها مكانة مرموقة بين صفوف المجتمع ،وهذا الامر جعل من الشبان العراقيين ذو استعداد عقلي لتقبل جميع الفلسفات السياسية والأفكار العالمية وبخاصة العلمانية.وكان الإكثار من فتح المدارس هو لإغراض دعائية غير علمية، وغرق وزارة المعارف في المنازعات السياسية الحزبية.

كان دور المستشارين في شؤون التعليم ُمضر. فالمستشارين البريطانيين يضعون استشاراتهم لأهداف سياسية تخدم مصالحهم مثل[ ضمان نفوذهم في الموصل]إما (ساطع ألحصري ) كان تدفعه روح سياسية وهي زرع القومية العربية في نفوس النشئ العراقي، فاستغل التعليم في إذابة ألوان الطيف العراقي في سياسة تربوية واحدة .

كان اعتماد النهج الأمريكي في التعليم أمر سياسي ناقم على ما سبق من فلسفة تعليمية شتت وحدة الصف العراقي مثلما حدث في قضية النصولي 1927. فبغض النظر عن رغبة الولايات المتحدة الامريكية في الدخول كطرف منافس على خيرات العراق ورغبة بريطانيا في إدخال طرف يساند وجودهم في العراق ،كان السياسيون العراقيون وعلى رأسهم (نوري السعيد) سعوا إلى إصلاح ما أفسده المستشارون في شؤون التعليم.

– علي الوردي ،دراسة في طبيعة المجتمع العراقي (قم:منشورات سعيد بن جبير،2005)

–   فؤاد حسن الوكيل ،جماعة الأهالي في العراق 1932-1937 (بغداد:طبع وزارة الثقافة والإعلام،د.ت).

– فخري رشيد خضر،تطور الفكر التربوي(الرياض:مط الجزيرة،1982).

– فيليب ويلارد ايرلاند،العراق دراسة في تطوره السياسي ، ت: جعفر الخياط (بيروت: دار الكشاف ،1949).

– كمال مظهر احمد،صفحات من تاريخ العراق المعاصر”دراسات تحليلية” (بغداد:مط دار الشؤون الثقافية1987).

– ل.ن،كوتلوف،ثورة العشرين الوطنية التحررية ،ت: عبد الواحد كرم،ط2(بيروت:دار الفارابي،1975).

– لطفي جعفر فرج عبد الله،عبد المحسن السعدون ودوره في تاريخ العراق السياسي المعاصر،ط2(بغداد:دار الحرية ،1980) .

– محمد باقر البهادلي، السيد هبة الدين الشهرستاني أثاره الفكرية ومواقفه السياسية 1884ـ1967 (ايران، مطبعة دلتا، 2002) .

– هنري فوستر ،تكوين العراق الحديث،ت: عبد المسيح جويده (بغداد:مط السريان ،1946)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *