يمثّل ديوان دفء على حافة الهاوية للشاعر حازم الشمري، الصادر عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق (بغداد، 2025)، تجربة شعرية تتكئ على بنية وجدانية عميقة، قوامها الغزل بوصفه أصلًا جماليًا ورافدًا روحيًا في تشكيل النص. ويشتغل الشاعر في هذا الديوان على ما يمكن تسميته بـ الصدمة الناعمة؛ تلك الصدمة التي لا تقوم على المفاجأة العنيفة أو الانكسار اللغوي الحاد، بل على التسلل الهادئ إلى وعي المتلقي عبر صفاء الصورة وبساطة العبارة وعمق الدلالة.
أولًا: الغزل بوصفه منبعًا جماليًا
ينطلق الشمري من الغزل لا باعتباره غرضًا تقليديًا، بل بوصفه حالة وجودية، يتداخل فيها الحب بالطهر، والعاطفة بالمعنى الإنساني الأشمل. يتجلّى ذلك بوضوح في قصيدة طُهر الشوق، حيث يقول:
> لا تظنّي يومًا
أن حُبّي لكِ معصية،
فهو طُهرٌ يسكن أعماقي.
أحنّ إليكِ
كما يحنّ القلبُ إلى السكينة،
وأراكِ في كلّ الأشياء النقيّة.
هنا تتجسّد الصدمة الناعمة عبر نفي المعصية وإحلال الطهر محلّها، فيتحوّل الحب من نزوة عاطفية إلى قيمة أخلاقية وروحية. إن الشاعر لا يصدم المتلقي بالخرق، بل يفاجئه بالصفاء، وهي مفارقة جمالية ذات أثر عميق.
ثانيًا: الدالّ الإهدائي وعلاقته بالبنية الروحية
إذا عدنا إلى الدال بعد العنوان، أي الإهداء، بوصفه عتبة نصية، نجده يشكّل المفتاح الروحي الأهم في الديوان. يقول الشمري:
> إلى روح أمي
التي تركت في قلبي ظلًّا من حنانٍ لا يزول
يحيل هذا الإهداء إلى أن التجربة الشعرية في الديوان ليست معزولة عن الجذر العاطفي الأول، المتمثل بالأم، بوصفها رمزًا للحنان المطلق. ومن هنا يمكن القول إن الشاعر يؤسس شعره على ذاكرة وجدانية تجعل من النص امتدادًا للروح، لا مجرّد بناء لغوي.
ثالثًا: الشعر بوصفه حالة روحية سرمدية
يدلّ هذا الاشتغال على أن الشعر، في تصور الشمري، حالة روحية سرمدية، قابلة للتمدّد والانكماش بحسب درجة حرارة الإنسان والكون. فالشعر لا يُنتج من الخارج، بل ينبع من الداخل، من التجربة الذاتية العميقة، وهو ما يربط بين الشعري والروحي في علاقة جدلية.
وهذا المعنى لا يُعرَف إلا من خلال ذاته؛ إذ إن الشعر، حين يبلغ هذه الدرجة من الصفاء، يعرّف نفسه بنفسه، ولا يحتاج إلى وسائط تفسيرية خارجية.
رابعًا: التناصّ مع مفهوم الاختزال الشعري
يتقاطع هذا المنحى مع ما طرحناه سابقًا في كتاب الاختزال الشعري (دار الصباح، بغداد، 2006)، حيث تتجسّد التجربة الشعرية في أعلى درجات التكثيف والصفاء. وفي قصيدة صمت الأرواح، يقول الشمري:
> كان القلب شجرةً عتيقة،
ضربتها الريح ألفَ عام
وما انكسرت.
وكان الحب،
حين اشتدّ عليه العطش والجوع والتيه،
ازداد صفاءً كالنهر.
هنا تتجلى فكرة الاختزال الدلالي، حيث تتحوّل المعاناة إلى صفاء، والزمن إلى اختبار روحي، وهي ذاتها الآلية التي يقوم عليها ديوان دفء على حافة الهاوية.
خاتمة
يمكن القول إن حازم الشمري يقدّم في هذا الديوان تجربة شعرية قائمة على الصدمة الناعمة، بوصفها إستراتيجية جمالية وروحية، تعيد للشعر وظيفته الإنسانية الأولى: التخفيف، التطهير، وإعادة تشكيل العلاقة بين الإنسان والعالم. إن دفء الشمري، حتى وهو على حافة الهاوية، ليس سقوطًا، بل مقاومة جمالية للانكسار.
المراجع
الشمري، حازم. دفء على حافة الهاوية. منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتّاب في العراق، بغداد، 2025.
بريسم، عبدالحسين. الاختزال الشعري: مقالات في الشعر العراقي الحديث. دار الصباح، بغداد، 2006.


