في تطور يعد من أخطر ما كشف خلال السنوات الأخيرة بشأن الوضع الأمني في العراق، نشرت صحيفة وول ستریت جورنال تقريراً تحدثت فيه عن إنشاء “إسرائيل” قاعدة عسكرية سرية داخل الصحراء العراقية قبل اندلاع الحرب مع إيران، بهدف دعم عملياتها الجوية والاستخبارية في المنطقة.
وبحسب ما ورد في التقرير، فإن القاعدة لم تكن مجرد موقع مؤقت أو نقطة استطلاع محدودة، بل منشأة عسكرية متكاملة ضمت قوات خاصة إسرائيلية، ومركزاً لوجستياً لدعم الطائرات الحربية، إضافة إلى فرق بحث وإنقاذ مُجهزة للتدخل في حال إسقاط أي طائرة إسرائيلية خلال العمليات العسكرية. كما أشار التقرير إلى أن هذه القاعدة أنشئت بعلم الولايات المتحدة، وأنها عملت بسرية تامة داخل الأراضي العراقية.
الأخطر في القضية، أن التقرير كشف عن حادثة وقعت في شهر آذار / مارس الماضي، عندما اشتبه راع عراقي بوجود تحركات غريبة داخل المنطقة وأبلغ السلطات العراقية، ما دفع قوة أمنية للتحرك نحو الموقع للتحقق. إلا أن القوة بحسب المزاعم، تعرضت لغارات جوية إسرائيلية لمنعها من الوصول إلى القاعدة وكشف تفاصيلها، الأمر الذي أدى إلى مقتل جندي عراقي وإصابة اثنين آخرين.
هذه المعلومات، لا يمكن التعامل معها كخبر عابر أو حادث أمني محدود، بل تمثل اختراقاً سيادياً خطيراً يضرب هيبة الدولة العراقية في العمق، ويطرح تساؤلات مصيرية حول حجم النفوذ الخارجي داخل البلاد ومدى قدرة المؤسسات الأمنية على حماية الحدود والأراضي العراقية من الاختراقات الأجنبية.
فإنشاء قاعدة عسكرية إسرائيلية داخل العراق يتطلب إمكانيات لوجستية وتحركات معقدة لا يمكن أن تتم بسهولة أو بعيداً عن أعين الجميع. وهذا يقود إلى سؤال بالغ الحساسية: من الذي منح الضوء الأخضر؟ ومن الجهة التي سهلت دخول المعدات والقوات؟ وهل هناك أطراف داخلية متورطة بالصمت أو التعاون أو التغطية؟
كما أن الحديث عن وجود قوات خاصة إسرائيلية مدربة على العمليات داخل أراضي العدو” يثير مخاوف كبيرة بشأن طبيعة المهام التي كانت تُنفذ من داخل العراق، وما إذا كانت القاعدة جزءاً من شبكة أوسع تستخدم لأغراض استخبارية أو عسكرية تتجاوز الحرب مع إيران.
ولا تتوقف الخطورة عند حدود الماضي، بل تمتد إلى الحاضر والمستقبل. فالسؤال الذي يشغل الرأي العام اليوم ليس فقط: هل كانت هناك قاعدة إسرائيلية بالفعل؟ بل: هل انتهى وجودها فعلاً؟ وهل تم تفكيكها بالكامل ؟ أم أن ما كشف لا يمثل سوى جزء صغير من نشاط أوسع ما يزال مستمراً بصمت داخل الأراضي العراقية؟
إن العراق اليوم بحاجة إلى موقف وطني واضح وتحقيق شفاف يكشف الحقائق كاملة أمام الشعب، لأن السكوت عن مثل هذه الملفات يفتح الباب أمام مزيد من الاختراقات الأمنية والسياسية، ويحوّل البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراعات الدولي الإقليمية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد ، يبقى السؤال الأخطر مطروحاً بقوة:
إذا كانت قاعدة بهذا الحجم قد أنشئت في قلب الصحراء العراقية دون إعلان أو كشف مبكر، فكم من الحقائق الأخرى ما تزال مخفية حتى الآن؟


