في خضم تبادل المقترحات بين واشنطن وطهران وبعد أسابيع من التصعيد العسكري الذي دفع الشرق الأوسط إلى حافة انفجار واسع بدأت تتكشف ملامح ما يبدو أنه أحدث محاولة أمريكية لاحتواء الحرب لا حسمها.
فالاتفاق الذي تنتظر واشنطن ردّ إيران عليه ليس اتفاق سلام بالمعنى التقليدي ولا تسوية نهائية للصراع بل هو أقرب إلى هدنة مشروطة ومذكرة تفاهم أولية صيغت بعناية لتجميد المواجهة وفتح الباب أمام مفاوضات أشمل.
لكن اللافت في هذا المقترح ليس فقط مضمونه بل ما يكشفه من تحوّل في المزاج الأمريكي نفسه من خطاب الردع والقوة إلى لغة الاحتواء وإدارة الأزمة.
أولًا: وقف إطلاق نار مؤقت
يتصدر الاتفاق المقترح بند تثبيت وقف إطلاق النار لمدة ستين يوماً بما يشمل وقف العمليات العسكرية المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران ومنع أي تصعيد عبر الحلفاء والوكلاء المنتشرين في ساحات التماس . من العراق إلى لبنان واليمن .
هذه الهدنة تبدو ضرورية للطرفين لكنها في الوقت ذاته هشة للغاية خصوصاً مع استمرار التوتر البحري في مضيق هرمز الذي لا يزال يمثل النقطة الأكثر قابلية للاشتعال.
ثانيًا: مضيق هرمز والأولوية الأمريكية القصوى
إذا كان هناك بند يمكن وصفه بأنه جوهر الاتفاق الأمريكي الحقيقي فهو إعادة فتح مضيق هرمز بشكل كامل وآمن أمام الملاحة الدولية.
واشنطن تطالب إيران بإنهاء كل أشكال التهديد للسفن التجارية وإزالة الألغام البحرية ووقف اعتراض ناقلات النفط بما يعيد الاستقرار إلى سوق الطاقة العالمي الذي تلقى ضربات موجعة خلال الأسابيع الماضية.
بمعنى أدق تريد الولايات المتحدة من إيران أن تقدم ضمانات بحرية فورية حتى قبل الوصول إلى اتفاق سياسي شامل.
ثالثًا: الملف النووي العقدة التي لم تُحل
في المقابل يعود الملف النووي الإيراني إلى الواجهة بوصفه الثمن الأكبر الذي تطلبه واشنطن.
والمقترح الأمريكي يتضمن وقفاً مؤقتاً أو خفضاً كبيراً لعمليات تخصيب اليورانيوم مع تسليم جزء من المخزون عالي التخصيب، والقبول برقابة دولية مشددة تمهيداً للعودة إلى مسار تفاوض نووي جديد.
لكن أكثر البنود حساسية يتمثل في مطالبة أمريكية – بحسب التسريبات – بأن يُسلَّم جزء من هذا المخزون مباشرة إلى الولايات المتحدة وهو ما قد تعتبره طهران مساساً مباشراً بسيادتها وإهانة سياسية يصعب قبولها داخلياً.
رابعًا: تخفيف جزئي للعقوبات دون رفع شامل
مقابل هذه التنازلات تعرض واشنطن تخفيفاً محدوداً للعقوبات يشمل الإفراج عن جزء من الأصول الإيرانية المجمدة، وتسهيل بعض صادرات النفط وفتح نافذة اقتصادية ضيقة يمكن توسيعها لاحقاً إذا نجحت المرحلة الأولى من الاتفاق.
لكن هنا تحديداً تكمن إحدى أبرز نقاط الضعف في العرض الأمريكي:
إيران لا تحصل على رفع شامل للعقوبات، بل فقط على تخفيف انتقائي ومشروط ما قد يدفعها إلى المطالبة بضمانات أكبر قبل القبول.
خامساً: من الحرب إلى التفاوض ، ولكن بشروط
إذا وافقت طهران فإن المرحلة التالية ستتضمن انطلاق مفاوضات سياسية أوسع مباشرة أو عبر وسطاء إقليميين لمناقشة ملفات تتجاوز الحرب الحالية وهب البرنامج الصاروخي الإيراني والنفوذ الإقليمي والوجود العسكري الأمريكي في الخليج ووترتيبات أمن الملاحة في هرمز.
أي أن الاتفاق الحالي ليس سوى بوابة عبور إلى تفاوض طويل ومعقد لا نهاية للصراع.
أين يكمن “التراجع الأمريكي”؟
الصحافة الغربية وصفت المقترح الأخير بأنه يعكس تراجعاً أمريكياً واضحاً.
فالولايات المتحدة لم تعد تتحدث عن تفكيك كامل للبرنامج النووي الإيراني ولا عن تغيير شامل للسلوك الإقليمي لطهران، بل انتقلت إلى هدف أكثر تواضعاً وهو احتواء إيران بدل إخضاعها.
هذا التحول يكشف إدراكاً أمريكياً بأن الحرب المفتوحة مكلفة وأن الاستقرار المؤقت – مهما كان هشاً – بات خياراً أكثر واقعية من التصعيد المستمر.
هل تقبل إيران؟
السؤال الأهم الآن ليس ما إذا كانت طهران قادرة على القبول تقنياً، بل ما إذا كانت قادرة على القبول سياسياً.
فالنظام الإيراني قد يرى في الاتفاق فرصة لالتقاط الأنفاس اقتصادياً، لكنه في الوقت نفسه لا يريد أن يبدو وكأنه انحنى تحت الضغط الأمريكي.
كما أن الحرس الثوري الذي يدير جزءاً كبيراً من معادلة القوة داخل البلاد قد يرفض أي صيغة تُفسَّر داخلياً على أنها تنازل استراتيجي.
لذلك تبدو الاحتمالات الأقرب أن تقدم طهران رداً تعديلياً لا رفضًا مباشرًا:
مطالبة برفع أوسع للعقوبات ورفض تسليم اليورانيوم مباشرة لواشنطن والحصول على ضمانات بعدم استئناف العمليات العسكرية.
ما يجري اليوم ليس اتفاق سلام بل هدنة مشروطة وصفقة تبادل تنازلات وهي
أمن الملاحة وتهدئة الحرب، مقابل تخفيف اقتصادي يمنح إيران متنفساً مؤقتاً.
لكن جوهر المعضلة يبقى كما هو
فهل تستطيع الولايات المتحدة احتواء إيران دون أن تبدو متراجعة؟
وهل تستطيع إيران القبول دون أن تبدو منكسرة؟
يتحدد مستقبل أخطر أزمة شهدها الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة بين القبول والرفض بين الطرفين .


