في مسلسل Game of Thrones لم تكن المعارك تدور فقط بالسيوف والتنانين، بل كانت تدور داخل القصور، في الغرف المغلقة، وبين التحالفات المؤقتة والخيانة وتقاطع المصالح. الجميع كان يريد “العرش”، حتى لو احترقت المدن وتفككت المملكة.
وفي العراق، يبدو المشهد أحياناً قريباً من تلك الحبكة الدرامية، لكن الفرق أن ما يحدث هنا ليس خيالاً تلفزيونياً، بل واقع ينعكس على حياة الناس واقتصادهم واستقرارهم.
من “العرش الحديدي” إلى “كرسي المنصب”
في صراع العروش، كان الجميع يرفع شعارات حماية المملكة، لكن الهدف الحقيقي غالباً هو السيطرة على الحكم.
وفي العراق، تتكرر الصورة بطريقة مختلفة؛ فالصراع السياسي لا ينتهي بانتهاء الانتخابات، بل يبدأ بعدها:
صراع على الوزارات، على الهيئات، على العقود، على النفوذ، وحتى على من يمتلك حق القرار داخل الدولة.
اللافت أن المواطن يبقى خارج اللعبة، مجرد متفرج ينتظر نتائج معارك لا يشارك فيها، لكنه يتحمل كلفتها كاملة.
البلاط السياسي… حين تتحول الدولة إلى ساحة ولاءات
في المسلسل، كان “البلاط” مركز المؤامرات وصناعة القرارات السرية، حيث تُحاك التحالفات في الليل وتُكسر في الصباح.
أما في العراق، فالبلاط السياسي الحديث لا يحتاج إلى قلاع حجرية؛ يكفي اجتماع مغلق أو تفاهم مؤقت حتى تتغير موازين القوى.
التحالفات تتبدل بسرعة، والخصومات تتحول إلى شراكات، ثم تعود إلى صدامات جديدة.
ووسط هذه الدوامة، تتراجع الملفات الحقيقية: الخدمات، البطالة، الصناعة، الزراعة، والتعليم.
التنين العراقي… النفط الذي يحرك الجميع
في Game of Thrones كانت التنانين مصدر القوة المطلقة.
وفي العراق، النفط هو “التنين” الحقيقي الذي يدور حوله الصراع السياسي والاقتصادي.
كلما ارتفعت الإيرادات النفطية، اشتد التنافس على السيطرة على مفاصل الإنفاق.
وكلما انخفضت الأسعار، ظهرت الخلافات بصورة أكثر حدة، لأن الجميع يخشى تقلص “الغنيمة السياسية”.
وهكذا يصبح الاقتصاد رهينة للصراع، بدل أن يكون وسيلة لبناء دولة مستقرة.
الشعب… جيش بلا سلاح
في المسلسل، كانت الحروب تُخاض باسم الشعوب، لكن الشعوب كانت أول الضحايا.
وفي العراق، المواطن يدفع الثمن ذاته: ارتفاع أسعار، تراجع فرص العمل، ضعف الخدمات، وتأخر المشاريع.
ومع كل أزمة، تظهر طوابير جديدة: مرة للغاز، وأخرى للكهرباء، وثالثة للوظائف، وكأن البلاد تعيش موسماً دائماً من الأزمات المفتعلة أو غير المُدارة.
الشتاء قادم… لكن بصيغة اقتصادية
الجملة الأشهر في المسلسل كانت: “الشتاء قادم”
أما في العراق، فالتحذير الاقتصادي يبدو أكثر واقعية : إذا استمرت لعبة الصراع على النفوذ دون إصلاح حقيقي، فإن “الشتاء الاقتصادي” قد يأتي على شكل عجز مالي، وتراجع استثماري، وضعف أكبر في قدرة الدولة على تلبية احتياجات الناس.
فالدول لا تسقط دائماً بالحروب، أحياناً تسقط حين تتحول السياسة إلى معركة دائمة على الكراسي فقط.
النهاية المفتوحة
في نهاية Game of Thrones اكتشف الجميع أن الصراع الطويل دمّر المملكة أكثر مما حماها.
وهذه هي الرسالة الأهم التي يمكن إسقاطها على الواقع العراقي: لا يمكن بناء دولة مستقرة إذا بقيت “لعبة العروش” أقوى من فكرة الدولة نفسها.
فالعراق لا يحتاج إلى أبطال يبحثون عن العرش، بل إلى مشروع وطني يبحث عن مستقبل الناس.


