الصدمة الناعمة في قصص حب.. وحمص وثالثهما نيتشه للقاص جمال الهنداوي

الصدمة الناعمة في قصص حب.. وحمص وثالثهما نيتشه للقاص جمال الهنداوي
مجموعة قصصية تعيد تشكيل الواقع العراقي عبر "الصدمة الناعمة"، حيث تتراكم التفاصيل اليومية بهدوء لتخلق أثراً عميقاً في الوعي، دون صخب أو مباشرة، ممزوجة بحس فلسفي يعكس قلق الإنسان وهشاشة حياته...

تأتي المجموعة القصصية حب.. وحمص وثالثهما نيتشه للقاص جمال الهنداوي، الصادرة عن دار السرد للطباعة والنشر والتوزيع في بغداد – شارع المتنبي (2025)، بواقع (131) صفحة من القطع المتوسط، بوصفها تجربة سردية تستعيد نبض الواقعية المحلية، وتعيد تشكيل اليومي العراقي ضمن رؤية فنية تقوم على ما يمكن تسميته بـ”الصدمة الناعمة“؛ تلك التي لا تفجع القارئ بقدر ما تتسلل إليه بهدوء، ثم تترك أثرها العميق في الوعي.

تنفتح هذه المجموعة على عوالم مألوفة، شخصياتها من صميم الحياة العراقية، نعرفها ونصادفها، لكنها هنا تُكتب من جديد، تُعاد صياغتها عبر لغة مشبعة بالحياة، فينفخ فيها القاص روحًا سردية تجعلها أكثر كثافة وامتلاءً بالدلالة. لا يبتعد الهنداوي عن الواقع، بل يغوص فيه، ويعيد إنتاجه فنياً، مستثمرًا التفاصيل الصغيرة بوصفها مدخلاً إلى الأسئلة الكبرى.

تضم المجموعة عددًا من القصص، منها: العطر، حب وحمص وثالثهما نيتشه، بجاه أبي الجوادين، دليفري وخيوط القلب، على باب ردهة الطوارئ، زواج مصلحة، والميت الحي، فضلًا عن مقدمتين لكل من شوقي كريم حسن، والدكتور قصي الشيخ عسكر، اللتين تضيفان بعدًا قرائيًا يضيء مداخل النصوص ويؤطرها نقديًا.

إن اشتغالات الهنداوي في هذه المجموعة تمثل محاولة واعية لإعادة القارئ إلى مركز الفعل السردي، عبر استدعاء جماليات الأحياء القديمة، واستحضار الذاكرة الجمعية التي ما تزال تنبض في الأزقة والأسواق والوجوه. هنا، لا يكون المكان مجرد خلفية، بل يتحول إلى كائن حي، يشارك الشخصيات همومها، ويؤسس لفضاء تتقاطع فيه الأزمنة.

في قصة العطر (ص15)، تتجلى واحدة من أبرز ملامح “الصدمة الناعمة”. فالحكاية التي تبدو بسيطة — رجل يبيع العطور في شارع الرشيد — سرعان ما تنفتح على طبقات دلالية متعددة. يوثق القاص تاريخ العطر، ويستحضر علاقته بالمكان والناس، وبالأضرحة والذاكرة الشعبية، ليجعل من “أبي خضير” شخصية تحمل عبق الماضي وتفاصيل الحاضر في آن واحد.

ما يميز هذه القصة أن الهنداوي لا يكتفي بالسرد الوصفي، بل يشتغل على الحواس، فيجعل القارئ يشم رائحة العطر، ويرى السوق، ويصغي إلى أحاديث الشخصيات. هذه القدرة على تفعيل الحواس تمثل إحدى أدوات “الصدمة الناعمة”، حيث لا تأتي المفاجأة من الحدث الصاخب، بل من التراكم الهادئ للتفاصيل، الذي يقود إلى لحظة وعي داخلية.

إن “الصدمة الناعمة” في هذه المجموعة لا تقوم على الانكسار المفاجئ، بل على الانزياح التدريجي؛ حيث تتحول الحكاية اليومية إلى مرآة تعكس قلق الإنسان العراقي، وتكشف هشاشة الواقع من دون صخب أو مباشرة. إنها صدمة مؤجلة، تنبني داخل النص، ثم تتفجر في ذهن القارئ بعد انتهاء القراءة.

وبذلك، ينجح جمال الهنداوي في تقديم نصوص تستند إلى بساطة الشكل وعمق المضمون، حيث تتجاور الواقعية مع الحس الفلسفي، ويغدو “نيتشه” — بوصفه عنوانًا وإشارة — علامة على حضور الأسئلة الوجودية داخل تفاصيل الحياة اليومية.

إن هذه المجموعة تمثل إضافة نوعية للسرد العراقي المعاصر، لما تحمله من قدرة على إعادة إنتاج الواقع بلغة شفافة، ومن خلال تقنية “الصدمة الناعمة” التي تمنح النص بعده الإنساني العميق، وتترك القارئ في مواجهة أسئلته الخاصة، دون أن تفرض عليه إجابات جاهزة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *