إيران أرض الحضارة والحرية والجمال وشعب متقد بالذكاء والابداع
رغم أنني طالما أنتقدت العقيدة السياسية والمذهبية للجمهورية الاسلامية علنا ولسنوات متتالية ويعرفني هنا أصدقائي في الفيسبوك جيدا. دعوني أخبركم بهذا
في شهر أكتوبر الماضي زرت طهران ومكثت هناك لأكثر من شهر لغرض العلاج من مرض ألم بي العام الماضي. وفي اليوم الاول الذي وصلت فيه الى طهران ألتقيت بصديق إيراني عراقي وكان بصحبته عدد من المواطنين الايرانيبن. تناولنا طعام العشاء اللذيذ في مطعم ايراني في ميدان ولي عصر في قلب طهران على أنغام فرقة موسيقية كانت تعزف الاغاني الفارسية الشعبية وحينما أخبرهم أحد الحاضرين بأنني سائح عربي وعراقي تفاجأت بان الفرقة الموسيقية بدأت تعزف وتغني أغنيات عربية.
أحسست بالصدمة فإيران لم تعد كما كنت أعرفها والمجتمع الإيراني أصبح أكثر حرية بشكل لايصدق إلى درجة أحسست وكأنني في نيويورك او لندن ولكن بجدران المطعم الذي يذكرنا بتاريخ إيران واللغة الفارسية الجميلة التي تطرق أسماعنا وكأنها أنغام موسيقية فريدة ومطربة وناعمة في آن معا.
بعدما تناولنا وجبة العشاء أحيينا السهرة في كافتيريا ليست بعيدة عن المكان الاول حتى الساعة الثانية من صباح اليوم التالي. وكانت أجواء لاتوصف من الحيوية والجمال ففي قلب العاصمة طهران بدت ان الحياة لا تتوقف للحظة حتى في الليالي فهنا يأتي الناس في وقت متأخر للسهر وتذوق القهوة بأنواعها وايضا لتناول المرطبات والعصائر وطبعا تجاذب الحديث والسمر مع العائلة او الاصدقاء.
طهران أحد أجمل مدن العالم على الاطلاق وليس من الصدفة ان يكون ناسها بمنتهى الأناقة والجمال في المظهر والاخلاق والثقافة الى حد يشعرك وانت تتحدث مع مواطن إيراني بأن الايرانيين الاكثر وعيا وثقافة وأدب وحيوية وأطلاعا من الاوربيين والغربيين بشكل عام.
لندخل صلب الموضوع
في الكافتيريا وعلى أنغام موسيقى هادئة وقهوة غربية المذاق ومرطبات بنكهة ايرانية لذيذة تفاجأت بان الحديث أخذ منحا آخر. تحول كلام الحاضرين وبصوت مسموع الى كلام في السياسة، أحسست بالاحراج في بداية الأمر وانتبه الحضور الى ذلك وبادرني أحدهم بلغته الفارسية العذبة وقال: لا عليك إيران أكثر حرية من أمريكا وأوروبا.
فاجأني كلامه ولكن أدركت سريعا بأن الناس في طهران يمارسون حياتهم ويتحدثون بالسياسة بل حتى بعضهم ينتقد بشدة الحكومة وسياستها بشكل علني وبلا خوف من أعتقال او مضايقة. بل حتى الكلام المذهبي والديني فهو مسموح تماما.
إيران بلد الحرية وبلد الحضارة والانفتاح فهناك المتدين والفتاة المحجبة وهناك الملحد والفتاة الغير محجبة يمارسون حياتهم بلا مضايقات بل بحرية قل نظيرها حتى في اعتى الديمقراطيات في الغرب. طبعا معظم الانتقادات اللازمة كانت حول كثرة البطالة وضعف العملة وبالتالي ماكانوا يوصفونه بالغلاء الفاخش.
في المقابل حينما أخبرتهم بان ايران ارخص دولة في العالم تفاجؤوا من كلامي الى حد ما. أخبرتهم بان الحياة شبه مجانية هنا في طهران. فالمواطن الايراني يفول سيارته بالبنزين ارخص من الماء. نعم ارخص من الماء. ففي ايران تفويل السيارة فقط دولار واحد.
في الأيام اللاحقة كانت لي جولة سريعة في أسواق طهران وشوارعها وحتما لقاءات مع مواطنين من كل الطبقات حيث التقيت بأطباء موهوبين كبار ومهندسين وأساتذة جامعات يعملون كسائقي تاكسي. التقيت حتى برجال دين وناقشت معهم بعقيدة الايمان بالامام المهدي المنتظر وشعرت بالعجب والدهشة لعقليتهم المسامحة وثقافتهم التي تتقبل النقد بكل رحابة صدر. بل انهم كانوا يحاورون بشكل علمي رصين جعلني أشعر بالخجل.
ليس اخيرا ان إيران بلد ساحر للعقول والنظر
إيران دولة ومجتمع مذهل للغاية ورغم حوالي نصف قرن من الحروب عليها والحصار الظالم الخانق نجحت إيران ببناء بلد متقدم وحضاري في كل المجالات. فمترو طهران الرائع الجمال والمدهش يقدم صورة عن إيران الجديدة التي لاتقهر.
وبالتأكيد هناك سلبيات الى جانب كل هذه الإيجابيات
لكن الفارق الاساس أن إيران قابلة وقادرة على التغيير وان مجتمعها مجتمع ذكي ومتعلم ومحب للحياة ولديه الإمكانية في التغلب على السلبيات.
في رأيي ان إيران عملاق أقتصادي وحضاري وفكري قادم قريبا ليظلل كل الشرق الاوسط بمظلة أفضل من كل مظلات الاستعمار والاستحمار الشرقي والغربي.
إيران فكر وثقافة وعقل وإبداع لامثيل له
الصورة: المطعم الدوار على ارتفاع حوالي 300متر في برج ميلاد في قلب طهران في أكتوبر الماضي
سميح الاسدي


