هل يُدفع العراق نحو استنزاف استراتيجي؟

هل يُدفع العراق نحو استنزاف استراتيجي؟
يواجه العراق احتمال الانزلاق إلى سيناريو الاستنزاف الاستراتيجي نتيجة الضغوط الأمنية والسياسية والاقتصادية وتعدد مصادر التهديد. ويتوقف تجنب هذا المسار على وحدة القرار الداخلي وتعزيز التنسيق المؤسسي وتفعيل الدبلوماسية الإقليمية لحماية الاستقرار....

في خضم التحولات المتسارعة التي تشهدها المنطقة، يعود العراق ليجد نفسه أمام سؤال تاريخي متكرر: هل هو فاعل في معادلات الصراع أم ساحة تُدار عليها الصراعات؟ فالتطورات الأمنية الأخيرة، وتزايد الضغوط العسكرية والسياسية والاقتصادية، تعيد طرح فرضية “الاستنزاف الاستراتيجي” بوصفها أحد أخطر السيناريوهات التي قد تواجه الدولة العراقية في المرحلة المقبلة.

الاستنزاف لا يبدأ عادة بحرب شاملة، بل بسلسلة من الأحداث المتفرقة التي تبدو في ظاهرها محدودة، لكنها تتراكم لتخلق بيئة ضغط دائم. ضربات أمنية هنا، توتر حدودي هناك، أزمات سياسية داخلية، ضغوط اقتصادية وإعلامية… جميعها تشكل شبكة معقدة تُبقي الدولة في حالة استنفار مستمر دون أن تمنحها فرصة لالتقاط الأنفاس أو إعادة ترتيب أولوياتها.

جغرافيًا، يقع العراق في قلب فضاء إقليمي مفتوح على احتمالات متعددة. حدوده الغربية والشمالية، وامتداداته الصحراوية، ومسارات التهريب والتسلل التاريخية، تجعل من ضبط الأمن تحديًا طويل الأمد. وإذا تزامن ذلك مع عمليات عسكرية محدودة أو رسائل ردع متبادلة بين قوى خارجية، فإن البلاد قد تجد نفسها أمام تعدد في مصادر التهديد، يصعب التعامل معه بمنطق الجبهة الواحدة.

سياسيًا، يمثل الانقسام الداخلي أحد أبرز عوامل تسهيل سيناريو الاستنزاف. فكلما تباينت مواقف القوى السياسية تجاه طبيعة التهديد وكيفية الرد عليه، تراجعت قدرة الدولة على إنتاج قرار موحد وسريع. وفي بيئة كهذه، تتحول الخلافات من ظاهرة طبيعية في النظم التعددية إلى ثغرات يمكن أن تُستثمر لإرباك المشهد الوطني وإضعاف تماسكه.

اقتصاديًا، يفرض الاستنزاف ضغطًا غير مباشر لكنه عميق التأثير. فحالة عدم الاستقرار الأمني تؤثر على الاستثمار، وتزيد من كلفة الإنفاق العسكري والأمني، وتدفع الحكومة إلى اتخاذ إجراءات طارئة قد تؤجل مشاريع التنمية والإصلاح. ومع مرور الوقت، قد يتشكل شعور عام بأن الدولة منشغلة بإدارة الأزمات أكثر من انشغالها ببناء المستقبل.

أما على المستوى المجتمعي، فإن استمرار التوترات دون أفق واضح للحل يمكن أن يولد حالة من الإرهاق النفسي وفقدان الثقة التدريجي بالمؤسسات. وفي ظل الفضاء الإعلامي المفتوح، تتضاعف تأثيرات الحرب النفسية والشائعات، ما يجعل إدارة السردية الوطنية جزءًا أساسيًا من معركة الصمود.

ومع ذلك، لا يُعد هذا السيناريو قدرًا محتومًا. فالعراق يمتلك من الخبرات الأمنية والتضحيات البشرية والتنوع المجتمعي ما يمكن أن يتحول إلى عناصر قوة إذا ما أُحسن توظيفها ضمن رؤية استراتيجية متماسكة. إن بناء خطاب سياسي واثق ومتزن، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، والانفتاح على أدوات الدبلوماسية الإقليمية والدولية، كلها خطوات يمكن أن تقلل من احتمالات الانزلاق إلى دائرة الاستنزاف الطويل.

إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في مواجهة التهديدات الآنية، بل في القدرة على منع تحولها إلى نمط دائم يحدد مسار الدولة. فحين تنجح الدول في كسر حلقة الاستنزاف، فإنها لا تفعل ذلك بالقوة العسكرية وحدها، بل بامتلاك وضوح الرؤية، ووحدة القرار، وثقة المجتمع بأن تضحياته تسير في اتجاه يحمي الحاضر ويصنع المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *