العراق عند مفترق الطرق: بين مكافحة الفساد والسيادة الوطنية

العراق عند مفترق الطرق بين مكافحة الفساد والسيادة الوطنية
يواجه العراق تحدي التوفيق بين مكافحة الفساد وصون السيادة الوطنية. فالشراكات الخارجية قد تدعم التنمية، لكنها تتطلب رقابة قانونية ومؤسسية تضمن استقلال القرار، وحماية الثروات، ومنع التبعية الاقتصادية والسياسية تحت أي مسمى....

يمر العراق بمرحلة تبدو من أكثر مراحله حساسية منذ عام 2003. فالتطورات السياسية والاقتصادية الأخيرة، وما يرافقها من انفتاح على شراكات اقتصادية مع شركات أمريكية كبرى، إلى جانب الحديث عن توسيع التعاون في قطاع الطاقة، تفرض نقاشًا وطنيًا هادئًا بعيدًا عن التخوين أو الخطاب التعبوي.

لا يختلف اثنان على أن الفساد كان أحد أكبر أسباب إضعاف الدولة العراقية، وأن أي جهد حقيقي لاستعادة المال العام وبناء مؤسسات قوية يستحق الدعم. كما أن المواطن الذي عانى سنوات طويلة من سوء الإدارة والهدر، ينظر بعين الأمل إلى أي خطوة تعيد للدولة هيبتها وتحاسب الفاسدين.

لكن في المقابل، فإن مكافحة الفساد لا ينبغي أن تعفي المجتمع من طرح الأسئلة الكبرى المتعلقة بمستقبل السيادة الوطنية. فالشراكات الاقتصادية الواسعة، مهما كانت فوائدها المحتملة، تستحق دراسة دقيقة من حيث آثارها طويلة الأمد على القرار الوطني واستقلال الاقتصاد العراقي.

لقد جرم البرلمان العراقي التطبيع مع إسرائيل، لكن النقاش لا يزال قائمًا حول حدود هذا المفهوم، وهل يقتصر على العلاقات السياسية المباشرة أم يمتد إلى صور أخرى قد تنشأ عبر شركات عابرة للحدود أو شراكات اقتصادية دولية. وهذه مسألة قانونية وسياسية تحتاج إلى وضوح تشريعي أكثر من حاجتها إلى الانفعال.

ومن زاوية أخرى، فإن الحديث عن انتهاء الوجود العسكري الأمريكي لا يعني بالضرورة انتهاء جميع أشكال النفود الخارجي. ففي عالم اليوم لم تعد السيطرة تُمارس بالسلاح وحده، بل أصبحت أدوات الاقتصاد والإعلام والتكنولوجيا والاستثمار جزءًا من معادلات القوة الدولية.

وهنا تبرز فكرة سبق أن تناولناها في نظرية عصر التزييف؛ فالعصر الحديث لا يعتمد دائمًا على الاحتلال العسكري المباشر، بل قد تظهر أشكال أخرى من التأثير على الوعي الجمعي، والقرار الاقتصادي، وتوجيه الرأي العام. وهذا لا يعني أن كل شراكة اقتصادية هي احتلال، لكنه يعني أن السيادة يجب أن تُقاس بقدرة الدولة على اتخاذ قرارها بحرية، وحماية مصالح شعبها، وعدم الارتهان لأي قوة خارجية، مهما كان اسمها.

والتاريخ العراقي يقدم لنا دروسًا مهمة. فقد شهد العراق في مراحل مختلفة انقسامات حادة بين موالاة الدولة العثمانية أو الدولة الصفوية، ثم بين التعاطف مع ألمانيا أو بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية. واليوم ينبغي ألا يُعاد إنتاج هذه الانقسامات بصور جديدة، بل يجب أن يكون الانحياز الأول والأخير للعراق نفسه.

إن السؤال الحقيقي ليس: هل نكافح الفساد؟ فهذا واجب لا خلاف عليه. وإنما السؤال هو: كيف نحارب الفساد، وفي الوقت نفسه نحافظ على استقلال القرار الوطني، ونصون ثروات الأجيال القادمة، ونمنع أي تبعية سياسية أو اقتصادية جديدة؟

كما أن تحسين مستوى معيشة المواطن هدف مشروع، لكن الرفاه الاقتصادي لا ينبغي أن يكون منفصلًا عن السيادة والكرامة الوطنية. فالدول الناجحة هي التي تحقق التنمية دون أن تفقد استقلال قرارها.

ويُنسب إلى الإمام علي عليه السلام قوله: “لو كان الفقر رجلاً لقتلته.” وهي كلمة تعبر عن رفض الفقر والظلم، لكنها في الوقت نفسه لا تلغي مسؤولية الدولة في حماية الحقوق العامة وصيانة مصالح الأمة.

إن العراق يقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي. وما يحتاجه ليس الانحياز لهذا الطرف أو ذاك، وإنما بناء رؤية وطنية تجعل العراق فوق جميع الاصطفافات، وتخضع كل اتفاق أو شراكة أو تحالف لمعيار واحد: هل يخدم مصلحة العراق وسيادته على المدى البعيد؟

فالأسئلة الوطنية الكبرى لا تُعد تشكيكًا، بل هي جزء من المسؤولية الوطنية. وكلما كان الحوار هادئًا وعقلانيًا، كان أقرب إلى حماية الوطن من القرارات التي قد يصعب التراجع عنها في المستقبل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *