يُعدّ مضيق هرمز واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم ، إذ تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة النفط العالمية القادمة من دول الخليج باتجاه الأسواق الآسيوية والأوروبية ، وبالنسبة للعراق فإن أهمية هذا المضيق تتجاوز البعد الجيوسياسي لتتحول إلى مسألة (بقاء اقتصادي) ذلك أن الاقتصاد العراقي يعتمد بصورة شبه كلية على صادرات النفط الخام التي تشكل العمود الفقري لتمويل الموازنة العامة ، وتشير التقديرات إلى أن ما يقارب (85% من إيرادات الموازنة العراقية تأتي من بيع النفط الخام) وهو ما يجعل أي اضطراب في طرق التصدير النفطية بمثابة تهديد مباشر لقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المالية المحلية (رواتب ومخصصات + مستحقات الشركات العاملة + النفقات العامة) .
وبذلك فإن أي سيناريو محتمل لإغلاق مضيق هرمز سواء بسبب تصعيد عسكري أو توترات إقليمية سيضع الاقتصاد العراقي أمام اختبارٍ قاسٍ لأن معظم صادراته النفطية تمر عبر مياه الخليج العربي وصولاً إلى هذا المضيق!.
أهمية المضيق لصادرات النفط العراقية:
وفقاً لبيانات منظمة (أوبك)وتقارير (وكالة الطاقة الدولية) يصدّر العراق ما بين (3.3إلى 3.5 مليون برميل من النفط يومياً) عبر موانئه الجنوبية في البصرة ولا سيما موانئ البصرة النفطية وخطوط الأنابيب البحرية المرتبطة بها ، وتُنقل هذه الكميات بواسطة ناقلات النفط عبر الخليج العربي ثم تمر عبر مضيق هرمز نحو الأسواق العالمية خصوصاً الأسواق الآسيوية مثل الصين والهند وكوريا الجنوبية .
ويُقدّر أن ما يقرب من (90% من صادرات العراق النفطية تعتمد فعلياً على هذا المسار البحري) ما يعني أن أي إغلاق للمضيق سيؤدي عملياً إلى تعطيل الجزء الأكبر من صادرات العراق النفطية ، وباحتساب متوسط سعر نفط العراق الذي يتراوح بين (70و80 دولاراً للبرميل) فإن توقف تصدير نحو (3.3 مليون برميل يومياً) قد يعني خسارة تتجاوز (230 إلى 260 مليون دولار يومياً) من الإيرادات النفطية .
هذه الأرقام ليست مجرد حسابات مالية ، بل تعكس حجم الاعتماد الخطير للاقتصاد العراقي على منفذ تصدير واحد تقريباً .
التأثيرات المباشرة على المالية العامة:
إن خطورة إغلاق مضيق هرمز بالنسبة للعراق لا تكمن فقط في تعطّل الصادرات النفطية ، بل في طبيعة (“الاقتصاد الريعي”) الذي يعتمد على تلك الصادرات لتمويل معظم النفقات العامة ، فالموازنة العراقية تُموَّل في الغالب من إيرادات النفط والتي تُستخدم لدفع (رواتب ملايين الموظفين والمتقاعدين والرعاية الاجتماعية) فضلاً عن تمويل المشاريع الخدمية والبنى التحتية ونفقات الدولة الأخرى .
وبالتالي فإن توقف الصادرات النفطية لفترة طويلة سيؤدي إلى (أزمة سيولة مالية حادة) تضرب عصب الاقتصاد العراق إن لم تصبه بالشلل التام التي من شأنها منع الحكومة من دفع الرواتب أو تمويل الخدمات الأساسية ، فالدولة التي تعتمد على مورد واحد تقريباً لتمويل اقتصادها تصبح شديدة الهشاشة أمام أي صدمة خارجية في ذلك المورد .
وفي حالة العراق فإن هذه الهشاشة تزداد تعقيداً بسبب غياب التنويع الاقتصادي الحقيقي ، إذ ما تزال القطاعات الإنتاجية الأخرى (كالزراعة والصناعة) تسهم بنسبة محدودة جداً في الناتج المحلي الإجمالي .
الإشكالية المزدوجة: نفط الإقليم والغموض المالي:
إلى جانب المخاطر المرتبطة بمضيق هرمز يواجه الاقتصاد العراقي إشكالية أخرى تتعلق بملف (النفط في إقليم كردستان) فالحكومة الاتحادية بحسب ما يُثار في النقاشات الاقتصادية والسياسية لا تمتلك بيانات دقيقة وشفافة عن حجم الإنتاج الحقيقي أو إيرادات النفط المُصدَّر من الإقليم!!.
المفارقة أن الحكومة المركزية تعتمد على أرقام تقديرية في هذا الملف تحديداً ، في حين أن (الإيرادات الفعلية للصادرات النفطية من الإقليم ، فضلاً عن الإيرادات غير النفطية مثل الضرائب والمنافذ الحدودية ورسوم شركات الاتصالات) تبقى خارج منظومة الشفافية المالية الاتحادية!!.
ويزداد المشهد تعقيداً عندما تتعهد الحكومة الاتحادية بدفع رواتب موظفي الإقليم في الوقت الذي لا تمتلك فيه بيانات دقيقة عن (عدد الموظفين الفعليين) أو القوائم الرسمية الخاصة بهم (ما زاد من الطينِ بلّةً) كما يقال على الحكومة المركزية.
إن هذا الوضع يضيف طبقة أخرى من الهشاشة إلى (الاقتصاد العراقي) فالدولة التي تعتمد بشكل شبه كامل على النفط لا تملك في الوقت ذاته (صورة مالية واضحة عن أحد أهم مواردها المحتملة).
تداعيات اقتصادية أوسع:
إن إغلاق مضيق هرمز لن يكون مشكلة عراقية فقط ، بل سيؤدي إلى اضطراب كبير في أسواق الطاقة العالمية لأن المضيق يشهد مرور نحو (20% من تجارة النفط العالمية يومياً) وفق تقديرات إدارة معلومات الطاقة الأمريكية .
غير أن الدول النفطية الأخرى تمتلك في بعض الحالات (منافذ بديلة للتصدير عبر خطوط أنابيب برية أو موانئ بعيدة عن الخليج بينما يبقى العراق أكثر اعتماداً على المسار البحري الجنوبي مقارنة بالعديد من المنتجين الآخرين .
وهذا الاعتماد الأحادي يعكس خللاً استراتيجياً في إدارة ملف الطاقة على المدى الطويل إذ لم تُبنَ منظومة تصدير متعددة المسارات قادرة على مواجهة الأزمات الاقتصادية المحتملة.
الخلاصة والتوصيات:
إن احتمال إغلاق مضيق هرمز يكشف بوضوح إحدى أهم نقاط الضعف في الاقتصاد العراقي (الاعتماد شبه المطلق على النفط كمصدر للإيرادات ، والاعتماد شبه الكامل على منفذ تصدير واحد تقريباً) وفي ظل اقتصاد ريعي بهذه الطبيعة فإن أي صدمة اقتصادية في منطقة الخليج قد تتحول سريعاً إلى أزمة مالية داخلية تمس قدرة الدولة على دفع الرواتب وتمويل الخدمات العامة .
كما أن الغموض المالي في ملف نفط إقليم كردستان يزيد من تعقيد المشهد الاقتصادي ، إذ يضعف قدرة الدولة على التخطيط المالي الدقيق ويكرّس حالة من عدم اليقين حول حجم الموارد النفطية الحقيقية للبلاد .
ومن هنا تبرز ضرورة تبني (استراتيجية اقتصادية طويلة الأمد تقوم على تنويع مصادر الدخل الوطني) وعدم الارتهان الكامل لعوائد النفط الخام ، فالدول التي تعتمد على مورد واحد تكون أكثر عرضة للتقلبات الاقتصادية ، ولذلك فإن تطوير (القطاعات الإنتاجية الأخرى ، ولا سيما الزراعة والصناعة التحويلية والطاقة المتجددة والخدمات اللوجستية) يمثل خياراً استراتيجياً لتقليل هشاشة الاقتصاد العراقي .
إن تنويع الاقتصاد لا يُعد ترفاً اقتصادياً ، بل أصبح “(ضرورة وجودية لضمان الاستقرار المالي للدولة”) بحيث لا يبقى مستقبل الاقتصاد العراقي رهينةً لتقلبات أسعار النفط أو لاضطرابات ممر بحري ضيق مثل مضيق هرمز!.


