الصدفة الإلهية

الصدفة الإلهية
رمضان شهر النصر والتمكين، تتجلى فيه العناية الإلهية منذ بدر حتى تحرير القدس وعين جالوت. الصيام يقود إلى الفتح، والمقاومة تستمد نورها من يقين المؤمنين. يوم القدس العالمي يختصر الرسالة: النصر حليف الصابرين....

في تاريخ الأمم لحظاتٌ تبدو للوهلة الأولى وكأنها محضُ صدفة، غير أنّ من يتأمل خيوطها المتشابكة يكتشف أنها ليست صدفةً عابرة، بل عنايةٌ إلهية تنسج القدر بخيطٍ من نور. وكأنّ التاريخ، في لحظاتٍ بعينها، يتوقف قليلاً ليفسح المجال ليد القدرة كي تكتب سطورها الكبرى. وفي تاريخ الإسلام تتكرر هذه الظاهرة بصورةٍ لافتة، إذ يكاد شهرٌ واحد أن يتحول إلى مسرحٍ تتجلى فيه الإرادة الإلهية بأوضح صورها. ذلك هو شهر رمضان؛ شهر الصيام والعبادة والتزكية، لكنه في الوقت ذاته كان عبر القرون شهر النصر والتمكين، وكأن السماء شاءت أن تربط الجوع الروحي بالفتح العظيم، وأن تجعل من لحظات الصبر سلماً يصعد به المؤمنون نحو المجد.

في السابع عشر من رمضان من السنة الثانية للهجرة وقف المسلمون في صحراء بدر قلةً في العدد وعدةً في العتاد، لكنهم كانوا يحملون في صدورهم يقيناً أثقل من السيوف. هناك، في غزوة بدر الكبرى، بدا المشهد وكأن الأرض تميل قليلاً نحو أهل الإيمان، وكأن الملائكة كانت تسير في صفوفهم. انتصروا يومها، لا لأنهم الأقوى عدداً، بل لأن الإيمان حين يشتعل في القلوب يتحول إلى قوة لا تُقهر.

ثم مضت السنوات حتى جاء فتح مكة في العشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة. دخل النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم مكة فاتحاً، لا بسيف الانتقام بل بمفتاح الرحمة. تطهرت الكعبة من الأصنام، وعادت إلى صفائها الأول، وكأن التاريخ نفسه كان يصوم تلك الأيام ليولد من جديد في حضرة التوحيد.

وفي رمضان من سنة اثنتين وتسعين للهجرة، عبر طارق بن زياد البحر نحو الأندلس، وكأن الموج نفسه كان يمهد الطريق لخطواته. هناك انفتح باب جديد للإسلام في أوروبا، وبدأت حكاية حضارة امتدت قروناً، حملت نور العلم والمعرفة إلى آفاق بعيدة. ثم تتابعت المشاهد في هذا الشهر ذاته؛ معركة بلاط الشهداء، وفتح عمورية حين لبّى المعتصم صرخة امرأةٍ مسلمة، ومعركة الزلاقة حيث وقف يوسف بن تاشفين كالجبل يحمي الأندلس من السقوط.

ويأتي رمضان سنة 584 للهجرة، حيث ارتفعت راية صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين، فكان ذلك الانتصار بوابةً لتحرير القدس، وكأن التاريخ كتب بمداد الدم صفحة من أعظم صفحات الكرامة. وبعدها بسنوات، في الخامس والعشرين من رمضان سنة 658 للهجرة، كانت معركة عين جالوت؛ تلك اللحظة التي توقفت فيها عاصفة المغول على أبواب العالم الإسلامي. هناك وقف سيف الدين قطز وجيشه كالسد في وجه الطوفان، فانتصروا، وكأن رمضان أراد أن يثبت مرة أخرى أن الصائمين قادرون على صنع المعجزات.

وحتى في العصر الحديث لم يغب هذا المعنى الرمزي. ففي العاشر من رمضان سنة 1393 للهجرة عبرت الجيوش العربية قناة السويس في حرب أكتوبر، وتحطم خط بارليف الذي قيل يوماً إنه لا يُقهر. بدا المشهد وكأن التاريخ يكرر نفسه: صائمون يعبرون، ويقين يتقدم على الخوف.

أكلّ ذلك صدفة؟

أم أن في الأمر سرّاً أعمق؟

كأن الله أراد لهذا الشهر المبارك أن يكون مدرسةً للنصر، ففيه يتعلم الإنسان أن يهزم نفسه قبل أن يهزم عدوه، وأن ينتصر على ضعفه الداخلي قبل أن ينتصر في الميدان. وحين ينتصر الإنسان على ذاته، يصبح النصر الخارجي أمراً ممكناً.

ومن هنا نفهم لماذا استشرف الإمام روح الله الموسوي الخميني هذا المعنى العميق حين جعل آخر جمعة من شهر رمضان يوماً عالمياً للقدس. يومٌ تعود فيه الأمة إلى ذاتها، تراجع ضميرها وتسأل نفسها: ماذا فعلت للقدس؟ ماذا أعدّت لتحريرها؟ وكيف يمكن أن تستعيد أولى القبلتين وثالث الحرمين من قبضة الاحتلال؟

وفي زماننا هذا لم يتوقف رمضان عن كتابة فصوله في سجل المواجهة. فالجمهورية الإسلامية في إيران، منذ قيامها، وجدت نفسها في قلب عاصفةٍ من العداء الأميركي الإسرائيلي، وكأنها تقف في وجه الريح حاملةً راية الاستقلال والكرامة. لكن التاريخ علّمنا أن الشعوب التي تتكئ على الإيمان لا تنكسر بسهولة، بل تتحول الضغوط عليها إلى نار تصهر إرادتها فتزداد صلابة.

ومن رحم هذه المواجهة وُلدت معادلة جديدة في المنطقة؛ معادلة تقول إن القوة لم تعد حكراً على الجيوش الجرارة، بل قد تسكن أيضاً في قلوب المؤمنين الذين يرون الدفاع عن الأرض والكرامة عبادةً لا تقل قداسة عن الصلاة.

وفي لبنان، على تخوم البحر والجبل، وقف رجال المقاومة كأنهم امتداد لأولئك الذين قاتلوا في بدر وحطين. لم يكن في أيديهم في البداية سوى الإيمان بأن الأرض لا تُحرر إلا بأهلها، وأن الاحتلال مهما امتلك من سلاح يبقى هشاً أمام إرادة شعب قرر أن يقف. وهكذا تحولت قرى الجنوب إلى صفحاتٍ من ملحمةٍ حديثة، حيث يواجه المقاوم ببندقيته المتواضعة آلة الحرب الإسرائيلية، لكنه يحمل في صدره ما هو أثقل من الحديد: يقين بأن الحق لا يموت.

فكانت المواجهات التي كسرت صورة الجيش الذي لا يُقهر، وكتبت بدماء الشهداء سطوراً جديدة في تاريخ الصراع، حتى بدا المشهد وكأن الزمن يعيد نفسه؛ صراع بين قوةٍ مادية متغطرسة وروحٍ مؤمنة تعرف أن النصر قد يتأخر، لكنه لا يضيع.

وهكذا يبدو رمضان، عبر التاريخ، كأنه كتاب مفتوح من العناية الإلهية. في صفحاته تختلط دموع الدعاء بلمعان السيوف، ويجتمع الصائمون حول موائد الإفطار كما يجتمعون في ميادين الكرامة. شهرٌ تتقاطع فيه السماء مع الأرض، فيولد من هذا اللقاء معنى النصر.

ربما يسميها البعض صدفة.

لكن المؤمنين يعرفون أنها ليست صدفة.

إنها العناية الإلهية التي تدير حركة التاريخ، لتبقى الحقيقة الكبرى حاضرة في الوجدان:

﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ * وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *