منذ الأيام الأولى للتصعيد العسكري في أواخر شباط وبداية آذار 2026، دخلت المنطقة مرحلة غير مسبوقة من المواجهة المباشرة. لم يعد الصراع يدور خلف الكواليس أو عبر حروب بالوكالة، بل تحول إلى مواجهة مكشوفة كشفت بسرعة حقيقة موازين القوة في المنطقة، وكشفت أيضاً من يدفع ثمن هذه الحروب فعلياً.
في الأسبوع الأول فقط من الحرب، سارعت دول الخليج إلى فتح خزائنها لدعم العمليات العسكرية الأمريكية كما جرت العادة في كل حروب واشنطن في الشرق الأوسط. فالسعودية دفعت ما يقارب 9 مليارات دولار في صفقات تسليح عاجلة ومنظومات دفاع جوي وصواريخ اعتراض. أما الإمارات فقد ضخت ما يقارب 5 مليارات دولار لتعزيز منظومات الدفاع الجوي والربط العسكري مع القوات الأمريكية. وفي قطر، التي تعد مركز القيادة الجوية الأمريكية في المنطقة، تم ضخ ما يقارب ملياري دولار خلال أيام قليلة لتوسعة وتشغيل قاعدة العديد الجوية بكامل طاقتها. كما قدمت البحرين والكويت تسهيلات عسكرية ولوجستية تقدر قيمتها بأكثر من 2.5 مليار دولار لتأمين العمليات البحرية والجوية الأمريكية.
وبذلك تجاوزت الأموال التي دفعتها دول الخليج في الأسبوع الأول فقط من الحرب أكثر من 18 مليار دولار، وكلها تصب بشكل مباشر أو غير مباشر في دعم المجهود العسكري الأمريكي.
لكن ما حدث بعد ذلك قلب الحسابات تماماً.
فمع بدء الضربات العسكرية، أطلقت الجمهورية الإسلامية موجات متتابعة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة الانتحارية باتجاه القواعد العسكرية الأمريكية المنتشرة في الخليج. هذه الضربات استهدفت مدارج الطائرات ومراكز القيادة وأنظمة الدفاع الجوي، الأمر الذي أدى خلال أيام قليلة إلى تعطيل عدد كبير من القواعد الأمريكية وخروجها من الخدمة العملياتية.
كما طالت الضربات مواقع القيادة العسكرية ومراكز الاتصال، مما أحدث حالة ارتباك في منظومة القيادة الأمريكية في المنطقة. ومع تصاعد الخطر، اضطرت الولايات المتحدة إلى إجلاء رعاياها وموظفيها من عدة دول خليجية بعد أن تحولت القواعد العسكرية نفسها إلى أهداف مباشرة في الحرب.
ومع تراجع قدرة تلك القواعد على إدارة العمليات، لم تجد واشنطن خياراً سوى تقليص وجودها العملياتي في الخليج والتركيز على هدف واحد فقط: الدفاع عن الكيان الصهيوني في مواجهة الهجمات الصاروخية الإيرانية.
لكن حتى هذا الهدف لم يكن سهلاً.
فالجبهة الداخلية في إسرائيل تعرضت لضربات صاروخية مكثفة أصابت مدناً ومراكز اقتصادية وبنية تحتية حساسة، الأمر الذي أدى إلى خسائر كبيرة في الاقتصاد وحالة شلل كبير في الحياة اليومية. ومع استمرار القصف، بدأت تظهر مشكلة خطيرة في منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية.
فأنظمة الاعتراض، رغم تطورها التقني، تعتمد على مخزون محدود من الصواريخ الاعتراضية، ومع استمرار إطلاق الصواريخ بكثافة بدأت مخازن الصواريخ الدفاعية تتناقص بسرعة. ومع مرور الأيام أصبح من الصعب اعتراض جميع الصواريخ القادمة، مما سمح لعدد أكبر منها بالوصول إلى أهدافه داخل العمق الإسرائيلي.
وهنا بدأت تتكشف أزمة حقيقية:
فالحرب التي افترضت واشنطن وتل أبيب أنها ستكون سريعة ومحدودة، تحولت إلى حرب استنزاف لا تستطيع منظومات الدفاع الجوي التعامل معها إلى ما لا نهاية.
وفي ظل هذا الواقع، طلبت الولايات المتحدة استخدام القواعد العسكرية الفرنسية في المنطقة لاستقبال الطائرات الأمريكية وإعادة تنظيم عملياتها الجوية بعيداً عن القواعد التي أصبحت معرضة للضربات المباشرة.
وهكذا وجدت واشنطن وتل أبيب نفسيهما في ورطة عسكرية حقيقية. فالهجمات مستمرة، والقدرة على الاعتراض ليست بلا حدود، والقواعد العسكرية التي كانت تشكل العمود الفقري للوجود الأمريكي في الخليج لم تعد آمنة كما كانت.
لكن رغم كل ذلك، تبقى الحقيقة الأوضح في هذه الحرب أن الورطة الأكبر ليست عند واشنطن ولا عند إسرائيل، بل عند دول الخليج نفسها.
فكل يوم من أيام الحرب يعني مليارات جديدة تُدفع من خزائنها لشراء صواريخ اعتراض ومنظومات دفاع جديدة. وكل يوم إضافي يعني مخاطر أكبر على منشآتها النفطية ومطاراتها وموانئها. وكل تصعيد جديد يضع اقتصادها واستقرارها في دائرة الخطر.
وهكذا تجد دول الخليج نفسها في المعادلة الأصعب:
تدفع المال، وتعيش تحت تهديد الصواريخ، وتتضرر اقتصاداتها، بينما تتحول أراضيها إلى ساحة صراع بين قوى كبرى.
وفي نهاية المطاف قد تكتشف هذه الدول أن الحرب التي خيضت باسم حمايتها تحولت إلى حرب تُستنزف فيها ثرواتها وأمنها واقتصادها في الوقت نفسه.
فاليوم تقف الولايات المتحدة وإسرائيل في ورطة عسكرية معقدة،
لكن الورطة الأكبر تبقى عند دول الخليج التي تخسر المال والأمان والاستقرار الاقتصادي مع كل يوم إضافي من أيام هذه الحرب.


