ما وراء العصا

ما وراء العصا
يتناول النص جذور الصراع في الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، موضحاً أن فهمه يتطلب تجاوز الأحداث الظاهرة إلى تحليل النيات والبنى الاستراتيجية، مع إبراز الآثار الإنسانية للحروب والدعوة إلى توازن إقليمي قائم على الحوار...

تشهد منطقة الشرق الأوسط في السنوات الأخيرة تصاعداً متسارعاً في حدة التوترات والصراعات  خاصة في ظل المواجهة غير المباشرة و (أحياناً المباشرة) بين الولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل من جهة  والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى ، وقد أدى هذا الصراع إلى إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية  ، إذ اصطفت بعض دول الخليج العربي مع الولايات المتحدة وإسرائيل بدرجات مختلفة  سواءً عبر التحالفات الأمنية المباشرة أو من خلال التنسيق السياسي والاستراتيجي غير المعلن ، ولعل فهم هذا الصراع يتطلب قراءة أعمق من مجرد متابعة الأحداث اليومية  قراءة تتجاوز (“العصا”) إلى من يحملها ، بل إلى من يقرر رفعها أساساً .

في هذا السياق تبرز الحكمة القديمة التي تقول (“الكلب ينظر إلى العصا ، والذئب ينظر إلى اليد التي تحملها ، أما الثعلب فينظر إلى العينين”) هذه الحكمة لا تتحدث عن الحيوان بقدر ما تكشف طبقات الوعي في قراءة الأحداث ، فالكلب ينشغل بالفعل الظاهر؛ يرى العصا ويهاجمها دون أن يسأل من رفعها ولماذا ، والذئب يتقدم خطوة أخرى؛ فهو يرى اليد التي تضرب  أي الفاعل المباشر للصراع ، أما الثعلب فيتجاوز الاثنين  فينظر إلى العينين  إلى النية الكامنة خلف القرار  إلى الفكرة التي تحولت لاحقاً إلى فعل .

إن كثيراً من القراءات السياسية للصراع الدائر في المنطقة ما تزال عند مستوى (“العصا”) فهي تركز على الحوادث العسكرية  الضربات المتبادلة  أو التصريحات السياسية المتوترة  دون أن تتوقف عند السياق الاستراتيجي الأعمق الذي يفسر لماذا يحدث هذا الصراع أصلاً ، فالتوتر بين الولايات المتحدة وإيران ليس مجرد خلاف سياسي عابر ، بل هو صراع طويل على (توازن القوة والنفوذ في الشرق الأوسط) .

منذ نهاية الحرب الباردة سعت الولايات المتحدة إلى تثبيت نظام إقليمي يضمن استمرار هيمنتها الاستراتيجية في المنطقة  خاصة لما تمثله من أهمية جيوسياسية واقتصادية  نظراً لاحتياطاتها النفطية وموقعها الجغرافي الذي يربط بين آسيا وأوروبا وإفريقيا ، وفي هذا الإطار أصبحت إسرائيل الحليف الأكثر ثباتاً في المشروع الاستراتيجي الأمريكي  بوصفها قوة عسكرية متقدمة يمكن الاعتماد عليها لضبط التوازنات الإقليمية فضلاً عن مطامعها في المنطقة حسب الخرافة التي تقول (“أرضك يا إسرائيل من الفراتِ الى النيل”).

في المقابل  تنظر إيران إلى نفسها باعتبارها قوة إقليمية صاعدة لها حق طبيعي في لعب دور محوري في الشرق الأوسط ، وقد عززت طهران هذا الدور من خلال شبكة من التحالفات والنفوذ السياسي والعسكري في عدد من دول المنطقة  مثل العراق وسوريا ولبنان واليمن ، ومن هنا فإن الصراع بين الولايات المتحدة وإيران لا يدور فقط حول البرنامج النووي أو العقوبات الاقتصادية ، بل حول (من يملك حق رسم خريطة النفوذ في المنطقة) .

الحرب غير العادلة وآثارها الإنسانية:

إلى جانب البعد الاستراتيجي للصراع  تبرز مسألة أخرى شديدة الأهمية تتعلق بطبيعة الحروب الحديثة ومدى التزامها بالقواعد الإنسانية والقانون الدولي ، فالحروب في جوهرها  وفق ما تقرره المواثيق الدولية  ينبغي أن تميز بين الأهداف العسكرية والمدنيين  وأن تتجنب إيقاع الأذى بالسكان غير المقاتلين ، غير أن الواقع في كثير من النزاعات المعاصرة يشير إلى تآكل هذا المبدأ!.

ومن الأمثلة المؤلمة على ذلك ما تعرض له المجتمع الإيراني في إحدى الهجمات الصاروخية التي طالت (مدرسة للبنات) إذ سقطت الصواريخ على مبنى مدني يضم أطفالاً في سن الدراسة  ما أدى إلى مقتل نحو (180 طالبة وإصابة أكثر من 95 طالبة) في مدينة (ميناب)  فضلاً عن حالة الذعر والصدمة التي أصابت المجتمع المحلي ، إن مثل هذه الحوادث لا تمثل مجرد خسائر عرضية في الحرب ، بل تكشف عن الوجه الأكثر قسوة للصراعات المسلحة حين تتحول المدن والمدارس والمستشفيات إلى ساحات مواجهة .

إن استهداف المنشآت المدنية (سواء كان مقصوداً أو نتيجة لعمليات عسكرية غير دقيقة)  يطرح تساؤلات أخلاقية وقانونية عميقة حول (عدالة الحروب الحديثة) فحين يصبح الأطفال ضحايا للصواريخ  تفقد الحرب أي ادعاء أخلاقي  وتتحول إلى مأساة إنسانية تتجاوز حدود السياسة والاستراتيجية  .

كما أن مثل هذه الكوارث المدنية لا تقتصر آثارها على الخسائر البشرية المباشرة ، بل تمتد إلى تداعيات نفسية واجتماعية طويلة الأمد  ، إذ تتولد لدى المجتمعات مشاعر عميقة من الغضب والخوف والرغبة في الانتقام  وهو ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى (“إدامة دائرة الصراع”) بدلاً من إنهائها .

ومن منظور آخر فإن الحروب التي تتجاهل الأبعاد الإنسانية لا تؤدي في الغالب إلى استقرار سياسي دائم ، بل تخلق بيئات مشحونة بالتوتر وعدم الثقة  وهو ما يجعل السلام أكثر صعوبة وتعقيداً في المستقبل!.

وهنا تعود الحكمة القديمة لتطرح سؤالها العميق (هل نحن ننظر إلى العصا فقط؟ أم إلى اليد التي تحملها؟ أم إلى العينين التي

قررت رفعها؟) إن فهم الصراع في الشرق الأوسط يتطلب الانتقال من ردود الفعل إلى تحليل البنية الاستراتيجية التي تنتج هذه الأزمات ، فالحروب لا تبدأ لحظة إطلاق الصواريخ ، بل تبدأ في العقول التي ترى في القوة وسيلة لحسم الخلافات!!.

إن مستقبل الشرق الأوسط لن يتحدد فقط بميزان القوة العسكرية ، بل بقدرة قادته على تغيير النظرة التي ترى العصا أداةً وحيدة للسياسة ، فحين تتغير (“العينان”) التي ترى العالم من خلال الصراع  قد يصبح ممكناً أن تولد في المنطقة معادلة جديدة (معادلة تقوم على التوازن والحوار ، لا على العصا التي لا ترى إلا الضرب).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *