عدالة الأعباء قبل زيادة الضرائب (إعادة ضبط رواتب الدرجات الخاصة في العراق)

عدالة الأعباء قبل زيادة الضرائب (إعادة ضبط رواتب الدرجات الخاصة في العراق)
إصلاح المالية العامة في العراق يقتضي تقليص امتيازات الدرجات الخاصة قبل فرض ضرائب جديدة، لأن معالجة اختلال الإنفاق تعزز العدالة وتخفض العجز دون تضخم، وتعيد الثقة بالدولة عبر توزيعٍ أكثر توازناً للأعباء....

تُدار المالية العامة في العراق منذ سنوات بعقلية التوسّع الريعي لا بعقلية الكفاءة والانضباط ، وعندما تظهر أزمة سيولة أو عجزٌ في الموازنة  تتجه المعالجات غالباً إلى الخيار الأسهل سياسياً والأقسى اجتماعياً (زيادة الرسوم والضرائب المباشرة وغير المباشرة) غير أن المقاربة العادلة والاقتصادية تقتضي البدء بإصلاح بنية الإنفاق  وعلى رأسها رواتب وامتيازات الدرجات الخاصة من (مدير عام فما فوق) قبل التفكير في تحميل المواطن البسيط أعباء إضافية .

أولاً: فجوة توزيع الأجور في قمة الهرم الإداري:

تشير تقديرات متداولة إلى أن فاتورة الرواتب الشهرية قد تبلغ نحو (6 تريليونات دينار) وإذا افترضنا (“لأغراض التحليل”) أن نحو (2 تريليون دينار) منها تذهب إلى شريحة محدودة جداً من كبار المسؤولين والامتيازات الملحقة بهم (رواتب اسمية + مخصصات+ حمايات+ سيارات+ وقود+ مكاتب+… إلخ) فإننا أمام خلل صارخ في توزيع الموارد ، فإذا كان عدد شاغلي الدرجات الخاصة بحدود (6 آلاف مسؤول) فهذا يعني أن متوسط ما يخصص لهذه الشريحة يقارب (333 مليون دينار شهرياً) لكل موقع عند احتساب الرواتب والمخصصات والنفقات غير المباشرة المرتبطة بالمنصب ، حتى لو كان الرقم الفعلي أقل من ذلك فإن الفجوة بين قمة الهرم وقاعدته تبقى كبيرة وغير مبررة اقتصادياً بالمرة .

ولغرض المقارنة  فإن متوسط راتب الموظف الاعتيادي يتراوح بين (700 ألف إلى 1.5 مليون دينار شهرياً)  أي أن نسبة الفارق قد تصل إلى عشرات الأضعاف ، هذا التفاوت لا يُنتج كفاءة إدارية بقدر ما يرسّخ ثقافة الامتياز السياسي!!.

ثانياً: سيناريو تخفيض عقلاني وآثاره المالية:

لنضع سيناريو إصلاحي واقعي (تحديد سقف شامل للراتب الكلي) (بما فيه المخصصات) “وبالمتوسط أيضاً) (30 مليون دينار شهرياً للدرجات الخاصة) مع إعادة هيكلة الامتيازات غير النقدية وإلغائها تدريجياً أو إخضاعها لسقف واضح ، إذا افترضنا أن المتوسط الحالي الفعلي يعادل (45–60 مليون دينار شهرياً) فإن التخفيض الوسطي قد يحقق وفراً لا يقل عن (15–30 مليون دينار لكل مسؤول شهرياً)!!.

بحساب تقريبي:

1. 20  مليون دينار متوسط تخفيض × 6,000 مسؤول = 120 مليار دينار شهرياً .

2. سنوياً سيكون المبلغ = 1.44 تريليون دينار تقريباً .

وإذا أضيفت كلفة الحمايات والمركبات الرسمية والمكاتب الفائضة  فقد يقترب الوفر من (2 تريليون دينار سنوياً) هذا الرقم وحده كفيل بتمويل مشاريع خدمية أساسية  أو سد جزء معتبر من العجز  دون اللجوء إلى ضرائب جديدة !!.

ثالثاً: لماذا التخفيض أولى من زيادة الضرائب؟

1. الضرائب المباشرة:

عندما تُفرض ضرائب أعلى على التاجر أو المستثمر  فإن الاقتصاد العراقي (ضعيف التنويع ) فإنه ينقل الكلفة مباشرة إلى المستهلك (المواطن) عبر (رفع الأسعار) فيتحول العبء إلى المواطن بشكل مباشر لا سيما محدود الدخل!!.

2. الضرائب غير المباشرة:

الرسوم الجمركية والضرائب على السلع والخدمات تُعدّ بطبيعتها ضرائب تنازلية (Regressive Taxes)  أي أنها تصيب الفقراء بنسبة أعلى من دخلهم مقارنة بالأغنياء وبالتالي فإن زيادة هذه الضرائب في اقتصاد يعتمد على الاستيراد تعني (تضخماً مستمراً) وتآكلاً للقوة الشرائية!!.

3. الأثر الكلي:

في اقتصاد يعاني من بطالة مقنّعة وضعف في القطاع الخاص  فإن الضغط الضريبي الإضافي يحدّ من الطلب الكلي ويعمّق (الركود) بينما تخفيض الرواتب العليا لا يخلق أثراً (انكماشياً) يُذكر لأن (الميل الحدي للاستهلاك) لدى الشريحة العليا أقل من نظيره لدى الطبقة المتوسطة والفقيرة .

*(الميل الحدي للاستهلاك: هو نسبة ما ينفقه الفرد من أي زيادة إضافية يحصل عليها في دخله ، أي أنه يعبّر عن مقدار الإنفاق من كل دينار إضافي مكتسب  وتتراوح قيمته بين (0 و1)، فكلما ارتفع دلّ على أن الجزء الأكبر من الدخل الإضافي يُصرف… ولا يُدَّخر . )

رابعاً: البعد الأخلاقي والحوكمي:

المشكلة ليست في الرقم فحسب ، بل في الرسالة التي يبعثها النظام المالي ، حين يُطلب من المواطن تحمّل ضرائب ورسوم جديدة  بينما تستمر امتيازات عليا بلا سقف حقيقي  فإن الثقة بالدولة تتآكل ، الإصلاح المالي يبدأ من “القمة” لا من جيب محدود الدخل!!.

تخفيض رواتب الدرجات الخاصة لا يعني الانتقاص من قيمة المنصب ، بل بالعكس إعادة تعريفه بوصفه خدمة عامة لا فرصة ريعية أخرى ، فالدول الرصينة تربط الرواتب العليا بمؤشرات (الأداء) وتخضعها للرقابة الصارمة  وتمنع تضخم المخصصات غير الشفافة .

خامساً: ما الذي سيحققه هذا المسار؟

1.- تخفيض العجز دون توسيع الضغط الضريبي .

2.- تحسين توزيع الدخل داخل الجهاز الحكومي .

3.- تعزيز الثقة المجتمعية بالإصلاح المالي .

4.- إرسال إشارة انضباط للأسواق والمؤسسات الدولية .

5.- خلق مساحة مالية لدعم الخدمات أو شبكات الحماية الاجتماعية .

إن معالجة الهدر في رواتب وامتيازات الدرجات الخاصة ليست إجراءً شعبوياً ، بل خياراً اقتصادياً رشيداً يسبق منطقياً أي حديث عن زيادة الضرائب أو الرسوم ، فالإصلاح الحقيقي يبدأ بإعادة ترتيب (أولويات الإنفاق العام لا بتوسيع الجباية)!.

وفي الختام فإن الحلول للأزمة المالية في العراق كثيرة ومتاحة من الناحية الفنية  لكنّها تحتاج إلى إرادة حقيقية لتفعيل أدواتها دون المساس بقوت الطبقة الفقيرة والمتوسطة التي تلاشت بفعل سياسات غير اقتصادية مورست لسنوات طويلة ، (فالإصلاح ليس أزمة أرقام ، بل أزمة قرار).

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *