عندما يتحول الطب إلى سلعة… والعلاقات إلى شاشة: (ملامح الانكسار الاجتماعي في العراق المعاصر)

عندما يتحول الطب إلى سلعة… والعلاقات إلى شاشة (ملامح الانكسار الاجتماعي في العراق المعاصر)
تحوّل الطب إلى سلعة والعلاقات إلى تفاعل رقمي يعكس اختلالاً اجتماعياً عميقاً يوسّع اللامساواة ويضعف الثقة والروابط، ما يستدعي سياسات عادلة تعيد التوازن بين الاستثمار والعدالة وتعزّز إنسانية المجتمع....

في المجتمعات التي تمر بتحولات سياسية واقتصادية عميقة  لا يكون الخلل في الاقتصاد وحده ، بل في تعريف الأشياء ذاتها ، وأخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يتحول (العلم من رسالة إلى سلعة ، وأن تتحول المستشفى من ملاذ إنساني إلى مشروع ربحي ، وأن تتحول العلاقات الاجتماعية من دفءٍ حيّ إلى تفاعلٍ رقمي بارد) في هذا السياق  يبرز الواقع العراقي بوصفه نموذجاً مكثفاً لهذه التحولات  إذ أعادت السوق صياغة أولويات الدولة وأعادت التكنولوجيا تشكيل معنى الاجتماع الإنساني .

لم يكن الطب في تاريخه مجرد مهنة ، بل كان فعلاً أخلاقياً مرتبطاً بحماية الحياة غير أن إدخاله في منطق الاستثمار المجرد حوّله تدريجياً إلى خدمة تخضع لقانون العرض والطلب ، وهنا تكمن المعضلة (حين تصبح القدرة على العلاج مرتبطة بالقدرة على الدفع) يتحول الحق في الحياة إلى امتياز طبقي ، في العراق   إذ يعاني القطاع الصحي العام من (ضعف البنية التحتية ونقص التمويل) تمددت المؤسسات الصحية “الخاصة” بسرعة  لكن هذا التمدد لم يكن بديلاً عادلاً ، بل أصبح في كثير من الأحيان بوابة لإعادة إنتاج اللامساواة!! فالمواطن الذي لا يملك كلفة الفحص والعلاج يجد نفسه أمام خيارين أحلاهما مرّ(الاستدانة أو الإهمال).

إن خطورة تحويل المستشفى إلى مشروع استثماري لا تكمن فقط في ارتفاع الكلف على المواطن البسيط ، بل في تغير الفلسفة الحاكمة ، فالمؤسسة التي يُقاس نجاحها بحجم الأرباح ستبحث  (بحكم المنطق الاقتصادي) عن (تعظيم العائد) لا عن تعظيم (العدالة الصحية) ومع غياب رقابة فعّالة ومعايير صارمة  تتراجع الجودة أحياناً لصالح الربحية!! ويصبح المريض (رقماً في ميزانية لا إنساناً في أزمة) هذا التحول يُضعف الثقة العامة بالمؤسسات  ويقوّض فكرة الدولة الراعية التي يفترض أن تضمن الحد الأدنى من الكرامة الصحية لمواطنيها .

الأثر المستقبلي لهذا المسار خطير فحين يُختزل العلم في عائده المالي تتراجع الأبحاث غير الربحية ويُهمّش الاستثمار في الصحة الوقائية  ويغيب التخطيط بعيد المدى لصالح المكاسب السريعة ، ومع تراكم هذه الاختلالات  تتشكل فجوة صحية بين (طبقة قادرة على الوصول إلى أفضل الخدمات، وأغلبية تعيش في دائرة المخاطر) وهنا لا نتحدث عن خلل قطاعي ، بل عن إعادة تشكيل البنية الاجتماعية نفسها  إذ تصبح الصحة محدداً جديداً للفرز الطبقي ، بل وتنتهي بذلك عصر الطبقة الوسطى ويقتصر المجتمع بذلك على طبقتين فقط أما (طبقة غنية أو طبقة فقيرة)!.

لكن الأزمة لا تقف عند حدود الطب فقط فبموازاة تسليع العلم  شهد المجتمع العراقي  كغيره من المجتمعات الأخرى تحوّلاً عميقاً في طبيعة العلاقات الإنسانية ، لقد انتقل مركز الاجتماع من الحيّ والبيت والمقهى إلى المنصات الرقمية ، إذ أصبحت العلاقات تُقاس بعدد المتابعين والإعجابات والمشاهدات ، لم تعد الصداقة تجربة معاشَة بقدر ما أصبحت صورة معروضة  ولم يعد الحضور الجسدي شرطاً للتواصل!! فهذا التحول رغم ما يوفره من سهولة واتصال  خلق شكلاً جديداً من العزلة!! عزلة مزدحمة بالوجوه الافتراضية لكنها فقيرة بالدفء الحقيقي!.

ففي العراق كانت الروابط العائلية والعشائرية تقليدياً تشكل شبكة أمان اجتماعي  بدأ هذا النسيج يتعرض للتآكل البطيء ، فالجلسات العائلية مثلاً التي كانت فضاءً للحوار تحولت إلى صمتٍ جماعي أمام الشاشات!! والأحداث الاجتماعية باتت تُوثَّق من خلال (السيلفي) أكثر مما تُعاش ، ومع تصاعد الخطاب الاستعراضي في وسائل التواصل  نشأ ما يمكن تسميته بـ(“عصر التفاهة”) إذ تُمنح القيمة لما هو صادم أو سطحي  بينما يتراجع النقاش العميق والاهتمام بالشأن العام .

النتيجة هي مجتمع يزداد فيه الشعور بالوحدة رغم كثافة الاتصال! وتتراجع فيه الثقة المتبادلة رغم وفرة التفاعل ، وعندما تتقاطع هذه العزلة الرقمية مع القلق الاقتصادي الناتج عن خصخصة الخدمات الأساسية  تتشكل حالة اغتراب مركبة (اغتراب عن الدولة التي لم تعد ضامنة ، واغتراب عن المجتمع الذي لم يعد حاضناً) هذا المناخ يُنتج أفراداً أكثر انكفاءً على ذواتهم  وأقل استعداداً للعمل الجماعي ، ما ينعكس سلباً على إمكانات الإصلاح والتغيير .

إن مواجهة هذا المسار لا تعني رفض الاستثمار أو التكنولوجيا ، بل إعادة ضبط بوصلتهما (فالاستثمار في الصحة يجب أن يُقيَّد باعتبارات العدالة والرقابة الصارمة وأن يبقى القطاع العام قوياً وقادراً على أداء دوره بوصفه الضامن الأول للحق في العلاج) كما أن (التكنولوجيا ينبغي أن تُوظَّف لتعزيز الروابط لا لقطعها) عبر إعادة الاعتبار للقاء المباشر  ولمساحات الحوار الواقعي  وللقيم التي تجعل من المجتمع أكثر من مجرد شبكة حسابات .

وفي المحصلة  إن تحويل الطب إلى سلعة والعلاقات إلى محتوى رقمي ليسا ظاهرتين منفصلتين ، بل وجهان لتحول أعمق يعيد تعريف معنى الإنسان في المجتمع ، وإذا لم يُستدرَك الأمر بسياسات عادلة ووعي اجتماعي ناقد  فقد نجد أنفسنا أمام مستقبل يُقاس فيه كل شيء بالربح!! وتُختزل فيه (الحياة إلى معاملة ، والصداقة إلى إشعار ، والإنسان إلى رقم) وهنا تكمن المأساة الحقيقية!!.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *