مع تصاعد المواجهة العسكرية بين إيران وإسرائيل يتحول الخطر النووي من سيناريو نظري إلى كابوس محتمل حيث يمثل مفاعل بوشهر الإيراني قنبلة موقوتة قادرة على تلويث منطقة الخليج بأكملها. المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافاييل غروسي حذر مراراً من أن أي استهداف لمفاعل بوشهر الذي يحتوي على آلاف الكيلوغرامات من المواد النووية واليورانيوم المستنفذ سيتسبب في إطلاق كبير جداً للإشعاعات وهذا يتطلب إخلاء مناطق ضمن دائرة نصف قطرها مئات الكيلومترات .
ومع انقطاع الاتصال بالكادر المشرف على مفاعلي نطنز وأراك مؤخراً بسبب الغارات الجوية تزداد احتمالية وقوع كارثة إشعاعية لا تلتزم بالحدود السياسية . الخبراء الروس حذروا من أن أي تسرب من بوشهر سيكون أشبه بتشرنوبل جديدة وسيؤثر بشكل كارثي على دول الخليج العربي خاصة مع طبيعة الخليج شبه المغلقة التي تحبس التلوث لسنوات .
أكثر الدول تضرراً ستكون الكويت والبحرين وقطر والإمارات والسعودية التي تبعد مدنها الرئيسية مثل المنامة والدوحة مسافات لا تتجاوز 300-400 كيلومتر عن بوشهر مما يستلزم إخلاءها وتوزيع اليود وتقييد الغذاء . العراق أقرب جغرافياً لكن اتجاه الرياح السائدة قد لا تنقل التلوث نحوه بنفس الكثافة باتجاه الخليج حسب خبراء.
في المقابل تلوح في الأفق معادلة رعب نووي مضاد حيث قد ترد إيران على ضرب مفاعلاتها باستهداف مفاعل ديمونة الإسرائيلي في صحراء النقب. ورغم أن ديمونة محصن تحت الأرض ومحمي بمنظومات دفاعية متطورة إلا أن ترسانة إيران الصاروخية المتبقية قد تشبع الدفاعات وتحدث خروقات .
كارثة ديمونة ستكون أكثر فظاعة فالانبعاثات الإشعاعية قد تجبر مئات الآلاف على إخلاء النقب وحتى ضواحي القدس وتل أبيب وتلوث الأردن بشكل مباشر خاصة وادي الأردن ومنطقة البحر الميت وتمتد إلى لبنان وسوريا ومصر وشمال السعودية مع احتمالية إغلاق قناة السويس وشلل في المنطقة بأكملها .
من منظور نظرية الردع في العلاقات الدولية فإن استهداف المنشآت النووية يمثل تحوّلاً خطيراً من منطق الردع العسكري التقليدي إلى نمط من “المخاطر الإشعاعية المتبادلة”، حيث تتحول البنية التحتية النووية المدنية إلى أوراق ضغط في صراع مسلح مفتوح. فالهجوم على مفاعل عامل لا يقتصر أثره على الدولة المستهدفة بل يخلق تهديداً عابراً للحدود يعيد تعريف الأمن الإقليمي بوصفه أمنًا بيئياً وصحياً واقتصادياً في آن واحد. وفي منطقة مكتظة بالسكان ومتشابكة الموارد مثل الشرق الأوسط فإن أي تسرب إشعاعي واسع النطاق قد يؤدي إلى اضطراب سلاسل الطاقة والتجارة والممرات البحرية، بما في ذلك أسواق النفط العالمية، الأمر الذي يحول حادثة عسكرية تكتيكية إلى أزمة جيوسياسية ذات تداعيات دولية تتجاوز بكثير أطراف الصراع المباشرين.
إن تحويل المفاعلات النووية المدنية إلى أهداف عسكرية يعني تجاوز كل الخطوط الحمراء حيث ستتحمل أجيال قادمة في المنطقة بأكملها تبعات تلوث إشعاعي لا يعترف بالحدود مما يجعل ضبط النفس خياراً إنسانياً لا سياسياً فقط.


