حكومة الزيدي بين مطرقة السلاح وسندان الفساد

حكومة الزيدي بين مطرقة السلاح وسندان الفساد في العراق
تحليل سياسي يناقش حكومة الزيدي بين مطرقة السلاح وسندان الفساد، ويرى أن نجاحها يعتمد على حصر السلاح بيد الدولة، مكافحة الفساد، إقرار الموازنة، وتوفير فرص عمل حقيقية للشباب...

تسلّمت حكومة علي فالح الزيدي مهامها في لحظة عراقية شديدة التعقيد،

تتقاطع فيها الأزمة الاقتصادية مع ضغط الشارع، ويتداخل فيها ملف الفساد مع ملف السلاح،

وتتحول فيها الموازنة العامة من أداة مالية إلى اختبار سياسي لقدرة الدولة على إدارة مواردها وأزماتها.

فالعراق لا يواجه أزمة مالية فقط، بل يواجه أزمة نموذج حكم.

والاختبار الحقيقي أمام حكومة الزيدي لا يتمثل في إعلان نوايا إصلاحية،

بل في قدرتها على ترجمة هذه النوايا إلى نتائج ملموسة في بلد أنهكته الدولة الريعية، والمحاصصة، والفساد، وتعدد مراكز القوة.

اقتصاد مأزوم وموازنة مؤجلة

جاءت حكومة الزيدي في ظل ظروف اقتصادية صعبة،

حيث يواجه العراق ضغوطاً مالية متزايدة نتيجة تراجع الإيرادات النفطية، وتأخر إقرار الموازنة العامة، وتعطل عدد من المشاريع الحيوية.

وقد جعلت الحكومة الإصلاح الاقتصادي في صدارة أولوياتها،

معلنة أن هدفها هو بناء اقتصاد متنوع ومستدام، يخفف الاعتماد المفرط على النفط، ويعزز دور القطاع الخاص في التنمية.

لكن هذا الهدف يصطدم بحقيقة بنيوية: الاقتصاد العراقي ما يزال اقتصاداً ريعياً،

يعتمد بصورة كبيرة على النفط في تمويل الموازنة والرواتب والخدمات.

وهذا يعني أن أي تراجع في أسعار النفط أو صادراته ينعكس مباشرة على قدرة الدولة في الإنفاق والتشغيل وتمويل المشاريع.

الدولة الريعية ومعضلة التخطيط

تظهر تجربة حكومة الزيدي أن الإصلاح الاقتصادي في العراق لا يمكن النظر إليه بمعزل عن السياق السياسي والاجتماعي.

فالموازنة العامة ليست مجرد أرقام مالية، بل انعكاس لتوازنات القوى السياسية والاقتصادية.

وأي تأخير في إقرارها يكشف هشاشة البنية المؤسسية، وضعف القدرة على إدارة الموارد وفق رؤية طويلة الأمد.

من منظور أكاديمي، تواجه الحكومة معضلة الدولة الريعية، حيث تعتمد الدولة على مورد واحد متقلب،

وتستخدم الإيرادات النفطية في تمويل الإنفاق الجاري، بدلاً من تحويلها إلى قاعدة إنتاجية مستدامة.

وهذا النمط يضعف التخطيط، ويجعل الإصلاح مرهوناً بدورة أسعار النفط، لا بقدرة الدولة على بناء اقتصاد منتج.

مكافحة الفساد: شعار أم معركة دولة؟

من أبرز ما ركزت عليه حكومة الزيدي ملف مكافحة الفساد، إذ اعتبرت أن الفساد الإداري والمالي يمثل العائق الأكبر أمام أي إصلاح اقتصادي حقيقي.

وتعهدت الحكومة بحماية المال العام، وتفعيل الرقابة على المؤسسات الحكومية، وإطلاق برامج إصلاحية تستهدف إعادة هيكلة الاقتصاد الوطني.

لكن مكافحة الفساد في العراق ليست ملفاً إدارياً عادياً، بل معركة سياسية عميقة. فالفساد ليس مجرد رشاوى صغيرة أو تجاوزات فردية، بل شبكة مصالح مترابطة داخل العقود، والمنافذ، والمشاريع، والتعيينات، والتمويل السياسي، وبعض مفاصل الإدارة العامة.

لذلك، فإن نجاح الحكومة في هذا المجال لا يرتبط بسن القوانين فقط، بل بقدرتها على بناء مؤسسات قوية وشفافة، وتفعيل الرقابة والمساءلة، وحماية أجهزة التحقيق والتدقيق من الضغط السياسي.

العقد الاجتماعي المأزوم

التركيز على مكافحة الفساد يمثل محاولة لتجاوز ما يمكن تسميته بالعقد الاجتماعي المأزوم بين الدولة والمواطن.

فالمواطن العراقي لا يطالب بالإصلاح بوصفه شعاراً سياسياً، بل بوصفه شرطاً لحياة يومية أكثر استقراراً: كهرباء، ماء، عمل، صحة، تعليم، طرق، وفرص عادلة.

وعندما لا يرى المواطن نتائج ملموسة، تتراجع الثقة بالدولة، وتصبح الوعود الإصلاحية جزءاً من أزمة الثقة نفسها.

ولهذا فإن حكومة الزيدي تحتاج إلى إثبات أن الإصلاح ليس خطاباً مؤجلاً، بل مساراً قابلاً للقياس عبر نتائج واضحة في الخدمات، والوظائف، والمشاريع، ومحاربة الهدر.

مطرقة السلاح

إلى جانب الفساد، تواجه حكومة الزيدي ملفاً لا يقل حساسية: ملف السلاح وتعدد مراكز القوة.

فلا يمكن بناء دولة تنموية مستقرة في ظل وجود قرار أمني وسياسي موزع بين الدولة وقوى مسلحة تمتلك نفوذاً ميدانياً وسياسياً واقتصادياً.

وحصر السلاح بيد الدولة لا يعني فقط إجراءً أمنياً، بل يعني إعادة تعريف معنى السيادة، ومن يملك قرار الحرب والسلم، ومن يتحكم بالأمن الداخلي، ومن يقرر اتجاه الدولة في لحظات الأزمات الإقليمية.

لكن هذا الملف شديد التعقيد، لأن القوى المسلحة ليست مجرد تشكيلات عسكرية معزولة، بل ترتبط بتوازنات سياسية واجتماعية وإقليمية. ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى استراتيجية دولة، لا إلى شعارات سريعة أو صدام غير محسوب.

بين الدستور والواقع

من الناحية الدستورية، يفترض أن تكون الدولة هي صاحبة القرار الأمني النهائي، وأن يكون السلاح ضمن المؤسسات الرسمية الخاضعة للقانون والقيادة المدنية.

لكن الواقع العراقي أكثر تعقيداً من النصوص. فهناك إرث طويل من الحرب على الإرهاب، وتداخل بين فصائل رسمية وشبه رسمية، وحضور سياسي لقوى تمتلك أجنحة مسلحة، إضافة إلى ضغوط أمريكية وإيرانية متعارضة حول هذا الملف.

وهنا تقف حكومة الزيدي أمام اختبار صعب: كيف تفرض منطق الدولة من دون دفع البلاد إلى صدام داخلي؟ وكيف تطمئن القوى الاجتماعية التي ترى في بعض السلاح ضمانة أمنية، من دون السماح باستمرار ازدواجية القرار؟

سندان الفساد

إذا كان السلاح يمثل مطرقة تضغط على سيادة الدولة، فإن الفساد يمثل السندان الذي يعيق أي إصلاح اقتصادي.

فكل مشروع تنموي يمكن أن يتعطل إذا دخل في شبكة الفساد. وكل استثمار يمكن أن يهرب إذا اصطدم بالبيروقراطية والابتزاز. وكل موازنة يمكن أن تفقد أثرها إذا تحولت إلى توزيع للمغانم لا إلى تمويل للنتائج.

ولهذا، فإن الإصلاح الاقتصادي لا يمكن أن ينجح إذا بقيت منظومة الفساد قادرة على ابتلاع الموارد، وتعطيل المشاريع، وإعادة تدوير النفوذ.

إن مكافحة الفساد ليست ملفاً موازياً للإصلاح الاقتصادي، بل شرطه الأول.

الشباب وفرص العمل

أولت حكومة الزيدي اهتماماً خاصاً بالشباب، معلنة أن توفير فرص العمل عبر مشاريع إنتاجية وتنموية سيكون من أولوياتها، وذلك لتقليص نسب البطالة المرتفعة التي تشكل تهديداً للاستقرار الاجتماعي والسياسي.

غير أن توفير فرص العمل لا يتحقق من خلال التعيينات الحكومية وحدها، لأن الدولة لم تعد قادرة على استيعاب كل الطلب الاجتماعي على الوظائف.

المطلوب هو تحويل القطاع الخاص من شعار إلى واقع، عبر بيئة قانونية مستقرة، وتمويل للمشاريع الصغيرة والمتوسطة، وتدريب مهني، وربط التعليم بسوق العمل، وتسهيل الاستثمار، وحماية المنتج المحلي.

فالشباب لا يحتاجون إلى وعود عامة فقط، بل إلى مسارات عملية للانتقال من البطالة والانتظار إلى العمل والإنتاج.

أزمة الموازنة والاحتجاجات

واجهت الحكومة تحديات كبيرة، أبرزها أزمة الموازنة التي أدت إلى تعطيل مشاريع حيوية وتجميد التعيينات، ما أثار موجة احتجاجات في بغداد ومدن أخرى.

كما أن توقف أو تراجع تصدير النفط في بعض الفترات فرض واقعاً مالياً صعباً على الدولة، وأدى إلى تأخر دفع مستحقات بعض الفئات، بما في ذلك الفلاحون والعمال والمتعاقدون، وهو ما انعكس في احتجاجات تطالب بصرف القروض الزراعية والمستحقات المالية المتأخرة.

وهذا يوضح أن الأزمة المالية لا تبقى داخل أرقام وزارة المالية، بل تتحول سريعاً إلى ضغط اجتماعي وسياسي في الشارع.

البحث عن الدعم الخارجي

لمواجهة هذه التحديات، أعلنت الحكومة عن خطوات عملية، منها التواصل مع المؤسسات المالية الدولية للحصول على دعم أو مشورة تساعد في تجاوز الأزمة، والعمل على تعزيز العلاقات الاقتصادية مع الدول العربية والإقليمية والدولية على أساس المصالح المشتركة.

لكن اللجوء إلى التمويل الخارجي أو الشراكات الدولية يجب أن يكون جزءاً من رؤية إصلاحية واضحة، لا مجرد حل مؤقت لسد العجز.

فالدعم الخارجي قد يساعد في إدارة الأزمة، لكنه لا يعالج جذورها إذا بقي الاقتصاد معتمداً على النفط، وإذا لم تُصلح الإدارة العامة، ولم تُحمَ الاستثمارات، ولم تُعالج أزمة الفساد والسلاح.

إصلاح التعليم والصحة والخدمات

سعت حكومة الزيدي، بحسب خطابها الإصلاحي، إلى الاهتمام بالتعليم والصحة عبر تطوير المناهج، وتأهيل المدارس والجامعات، وتحسين الخدمات الطبية.

كما وضعت البنى التحتية والخدمات الأساسية، مثل الكهرباء والمياه والطرق والإسكان، ضمن أولوياتها.

لكن هذه الملفات لا تحتاج إلى قرارات متفرقة، بل إلى إصلاح مؤسسي طويل الأمد.

فالتعليم لا ينهض بمناهج جديدة فقط، بل بمدرسة جيدة ومعلم مؤهل وسوق عمل يستوعب الخريجين.

والصحة لا تتحسن ببناء مستشفى وحده، بل بمنظومة تمويل وإدارة ودواء وكوادر ورقابة.

أما الكهرباء والمياه والطرق، فهي مؤشرات مباشرة على قدرة الدولة على تحويل الإنفاق إلى خدمة.

الانفتاح الاقتصادي والاعتماد المتبادل

من زاوية العلاقات الدولية، تسعى حكومة الزيدي إلى تعزيز التعاون الاقتصادي مع الدول العربية والإقليمية والدولية.

ويمكن تفسير هذا التوجه في إطار نظرية الاعتماد المتبادل،

حيث يصبح الانفتاح الاقتصادي وسيلة لتقليل المخاطر، وتعزيز الاستقرار، وتوسيع خيارات الدولة.

لكن هذا الانفتاح يحتاج إلى رؤية استراتيجية واضحة، توازن بين المصالح الوطنية والالتزامات الخارجية.

فالعراق لا يجب أن يتحول إلى سوق مفتوحة بلا حماية، ولا إلى ساحة تنافس بين القوى الإقليمية والدولية،

بل إلى مركز اقتصادي قادر على استثمار موقعه وموارده وشراكاته لصالح التنمية الوطنية.

نقاط القوة والضعف

تمتلك حكومة الزيدي عدداً من نقاط القوة، أبرزها وضوح الخطاب الإصلاحي،

والتركيز على مكافحة الفساد، والحديث عن دور القطاع الخاص، والاهتمام بملفات الخدمات وفرص العمل.

لكن في المقابل، تواجه نقاط ضعف لا يمكن تجاهلها: الاعتماد الكبير على النفط،

تأخر الموازنة، الضغط الشعبي المتزايد، الحاجة إلى تمويل خارجي، تداخل الاقتصاد بالسياسة، وصعوبة التعامل مع ملف السلاح.

أما الفرص المتاحة فتتمثل في إمكانية تنويع الاقتصاد عبر الزراعة والسياحة والصناعة،

واستغلال الطاقات الوطنية، وجذب الاستثمار، وتفعيل المشاريع الإنتاجية.

في المقابل، تتمثل المخاطر في استمرار الاحتجاجات إذا لم تتحقق الوعود سريعاً،

وتصاعد التحديات الإقليمية، وتراجع الثقة الشعبية إذا بقي الإصلاح محصوراً في الخطاب.

من الدولة الريعية إلى الدولة التنموية

يمكن القول إن حكومة الزيدي تقف أمام اختبار مزدوج.

الاختبار الداخلي يتمثل في بناء مؤسسات قوية قادرة على إدارة الموارد بكفاءة،

ومكافحة الفساد، وتحسين الخدمات، وتوفير فرص عمل حقيقية.

أما الاختبار الخارجي فيتمثل في التعامل مع تقلبات السوق العالمية،

والضغوط الإقليمية، والعلاقة الحساسة بين واشنطن وطهران، وتأثير هذه العلاقة على القرار العراقي.

ومن منظور أكاديمي، فإن نجاح هذه الحكومة يعتمد على قدرتها على الانتقال من نموذج الدولة الريعية إلى نموذج الدولة التنموية.

وهذا التحول لا يتحقق بقرارات سريعة، بل بإصلاحات هيكلية عميقة،

واستثمار طويل الأمد في الإنسان، والبنية التحتية، والمؤسسات، والقطاع الخاص، وسيادة القانون.

خاتمة

حكومة الزيدي أمام اختبار صعب بين الوعود الإصلاحية الطموحة والواقع الاقتصادي المثقل بالأزمات.

فنجاحها يعتمد على سرعة إقرار الموازنة، ومكافحة الفساد بجدية،

وحصر السلاح ضمن منطق الدولة، وتوفير فرص عمل ملموسة للشباب، وتحسين الخدمات الأساسية.

إذا تمكنت الحكومة من ترجمة سياساتها إلى نتائج عملية،

فإنها ستكسب جزءاً مهماً من ثقة الشارع، وقد تفتح باباً لتحول نوعي في الاقتصاد العراقي.

أما إذا بقيت الوعود حبراً على ورق، وإذا استمر السلاح خارج القرار المؤسسي،

والفساد داخل مفاصل الدولة، والاقتصاد رهينة للنفط، فإن الحكومة ستواجه ضغطاً شعبياً وسياسياً متصاعداً قد يضع مستقبلها على المحك.

إن معركة حكومة الزيدي ليست مع العجز المالي وحده، بل مع نموذج حكم كامل.

ولهذا فهي تقف فعلاً بين مطرقة السلاح وسندان الفساد، وبينهما ينتظر العراقيون دولة قادرة على أن تحكم، لا أن تدير أزماتها فقط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *