حتى لا تنخدع الشعوب بحرب السرديات وسط هذا الضجيج المنظم، لا بد من تثبيت بديهيات الصراع كما هي، بلا تلطيف ولا تحوير .
قراءة في مشهد الحرب والاعتداء الصهيو امريكي على ايران :
أولاً : ما يجري هو حرب هجومية واضحة، وليست حرباً دفاعية كما يروج لها ترامب المازوم المهزوم المبادرة بالضرب جاءت من الولايات المتحدة والكيان الصهيوني ، ولم تكن استجابة لهجوم إيراني مباشر.
إنها حرب تخدم بقاء قيادة إسرائيلية مأزومة سياسياً، وتُستخدم فيها الجبهة الخارجية كوسيلة لإعادة إنتاج الشرعية الداخلية عبر منطق الحرب الدائمة.
ثانياً : هذه الحرب لم تكن مفاجئة. التخطيط لها لم يبدأ بالأمس، بل هو مسار ممتد منذ عقود، تدرّج عبر العقوبات، والعزل، والحصار، والاغتيالات، والضربات غير المباشرة والزيارات المتكررة للنتن ياهو للادارة الامريكية وتحفيزها للعدوان ، كان ينقصها فقط التوقيت المناسب، وقد جاء حين تلاقت إرادة اليمين الصهيوني مع بيئة قرار أمريكية منسجمة معه، خصوصاً في ظل صعود تيارات أكثر تشدداً داخل واشنطن، تجلّت بوضوح خلال مرحلة دونالد ترامب وخطابه الداعم بلا تحفظ لإسرائيل وكانت الحجة البرنامج النووي رغم استجابة ايران للمفاوضات .
ثالثاً : هذه حرب ذات بعد عقائدي واضح في بنيتها الفكرية ، فهي تنسجم مع تصورات توراتية يتبناها تيار صهيوني يؤمن بفكرة “إسرائيل الكبرى” من النيل إلى الفرات وقد يختلف البعض حول ترجمة هذه الفكرة سياسياً، لكن حضورها في الخطاب التعبوي والسياسي لليمين الإسرائيلي ليس سراً، وهو ما يمنح الصراع بعداً يتجاوز الحسابات الأمنية التقليدية إلى مشروع توسعي طويل المدى.
رابعاً : هي حرب اختيار لا حرب اضطرار. لم تكن هناك ضرورة حتمية تفرض المواجهة في هذه اللحظة فإيران أعلنت مراراً التزامها بعدم تصنيع قنبلة نووية وأبدت استعدادها للتفاوض حول مخزونها من اليورانيوم المخصب ومع ذلك، فُضّل ترامب المازوم خيار الضربة العسكرية مما يعني أن القرار لم يكن نتيجة انسداد في المفاوضات وكما صرح بابجابية كل من وزير الخارجية العماني ووزير الخارجية الايراني بل نتيجة إرادة مسبقة باستخدام القوة.
خامساً : بُنيت الحرب على روايات وادعاءات بشأن الخطر النووي الإيراني والدعم الداخلي للمعارضة والتجارب السابقة في المنطقة تجعل التشكيك مشروعاً في سرديات تُستخدم لتبرير التدخل العسكري والتاريخ القريب أثبت أن الذرائع الأمنية قد تُضخَّم لتوفير غطاء سياسي لقرارات معدّة سلفاً.
سادساً : الهدف الحقيقي يتجاوز إضعاف القدرات العسكرية إلى تغيير النظام في إيران عبر الضغط العسكري المباشر والتحريض الداخلي ودفع البلاد نحو الفوضى وهذا يتناقض مع الخطاب الأمريكي القائل إن زمن تغيير الأنظمة بالقوة قد انتهى فالأدوات تغيّرت، لكن الجوهر لم يتبدل.
سابعاً : ثقوا ان إيران ليست الهدف الوحيد والرسالة موجهة إلى كل شعوب ودول المنطقة: من لا يخضع طوعاً سيُخضع قسراً وهي محاولة لإعادة تثبيت معادلة ردع تبناها النتن ياهو قائمة على الهيمنة المطلقة، لا على التوازن.
ثامناً : نتائج هذه الحرب لن تكون آنيةونحن أمام لحظة مفصلية ستحدد شكل المنطقة لعقودفإذا انتصر المشروع الصهيوني عسكرياً وسياسياً، فسيُعاد تشكيل الإقليم وفق إرادته وتحقيق اطماعه ،أما إذا فشل أو استُنزف، فقد تكون هذه المواجهة بداية كسر معادلة التفوق الأحادي الصهيو امريكي وفتح مرحلة جديدة من الصراع مختلفة في قواعدها وتوازناتها.
أن ما يجري ليس حدثاً عسكرياً محدوداً، بل محطة تاريخية فاصلة ومعركة اليوم ليست فقط في الميدان، بل في الوعي أيضاً ومن لا يقرأ الصراع كما هو، سيقع أسيراً .
فكونوا على قدر ا من الوعي في قراءة مابعد الحدث .


