في استشهاد آية الله العظمى سماحة السيد علي خامنئي… خسوف القمر لا يعني نهايته، فالرموز لا تموت بانطفاء أجسادها، لكن الأهم من استذكار الرمز، هو مراجعة المسار الذي أوصل إليه، والأهم من البكاء على الفقد، هو حماية النهج.
ان وقع استشهاد آية الله السيد علي خامنئي يتجاوز حدود الجغرافيا، ويضرب في عمق الوعي الشيعي، ويعيد طرح أسئلة السلطة، والقيادة، والوظيفة التاريخية للمذهب في عالم مضطرب.
فالرموز حين تتحول إلى أدوات اشتباك سياسي، تفقد حصانتها الرمزية، وهنا نتسائل.. هل الدولة تحمي الرمز؟، أم أن الرمز يُستثمر في الصراع؟، حيث لقد خسرت الساحة الشيعية في فترة قصيرة شخصيات بحجم استثنائي، من بينهم سماحة السيد حسن نصر الله، ورموز أخرى ارتبطت بمشروع المواجهة المفتوحة، هذه الخسارات لا تقرأ عاطفيا فقط، بل يجب تحليلها ضمن معادلة (التوسع مقابل الاستنزاف)، سيما واننا كشيعة علي ابن ابي طالب تعلمنا ان نتعامل مع الفقد بوصفه جزءا من هويتنا، فمن كربلاء إلى كل محطات الاستشهاد، ثمة ذالك البعد الوجداني العميق الذي يجعل العلاقة مع الرمز علاقة وجودية، لكن ما حدث اليوم كان نوع مختلف من الكسر، ليس فقط ألم الفقد، بل شعور بالخذلان، وشك في جدوى المسار، فحين يسقط الرمز، يتساءل الجمهور، هل كان ذلك قدرا محتوم، أم نتيجة خيارات سياسية كان يمكن تفاديها؟
ويجب ان نكتب قناعتنا للتاريخ، فالعراق ليس ساحة احتياط لأي مشروع إقليمي، وليس ملحقا مذهبيا لاي لدولة أخرى، مهما اجتمعت العقيدة أو المرجعية معه، والتجربة التاريخية تقدم لنا نموذجا بالغ الدقة في سلوك الامام علي بن أبي طالب عليه السلام، لانه بالرغم من يقينه بحقه، عض على الجرح ولم يخرج عليهم عند الباب حتى بعد التعدي على حرمة داره، حفاظا على كيان الأمة، ولم يجعل مظلوميته مبررا لتمزيق الدولة الناشئة حتى وان كانت ضده وتسبه وتلعنه، وموقفه لم يكن تنازلا عن المبدأ، بل قراءة للمصلحة العليا.
اليوم، حين تنفعل الشوارع، وحين تتصاعد ردود الفعل الغاضبة تجاه أحداث إقليمية، يجب أن نسأل بوضوح.. هل يخدم هذا العراق؟، أم يدفعه إلى مواجهة لا يملك أدواتها؟
العاطفة مقدرة، لكن الدولة تُدار بالحسابات لا بالمشاعر، والعراق خرج من حروب مدمرة، وانقسامات طائفية، وتجارب مريرة كادت تعصف بوجوده، وإعادة إدخاله في صراع مفتوح تحت عنوان نصرة هذا الرمز أو ذاك، قد يرضي الانفعال الآني، لكنه يهدد المصلحة الوطنية، فالهوية يمكن أن تتسع، لكن الدولة لا تحتمل المغامرات.
وخسوف القمر، مهما كان داميا، لا يجب أن يتحول إلى ظلام دائم.
رحم الله شهداء امتنا وعزاؤنا انهم احياء عند ربهم يرزقون.


