في الوقت الذي يتسابق فيه العالم لبناء شراكات مستقبلية، وقعت الهند واليابان مؤخرًا معاهدة جديدة تقتضي الى ارسال 500 الف عامل هندي الى اليابان، الامر الذي يعكس إدراك اليابان لقوة العنصر البشري، إذ ينظر البلدان إلى الشباب ليس كأعداد سكانية مجردة، بل كطاقة معرفية واقتصادية قادرة على دفع عجلة النمو والتحول إلى قوة عالمية.
العراق اليوم يمتلك كنزاً ديموغرافياً، فأكثر من نصف سكانه من الشباب، وهذه النسبة هي الثروة الحقيقية التي تفوق النفط، لأنها تُمثّل القدرة على التجدد والإبداع وبناء المستقبل، لكن هذا الكنز يظل مهددًا بالهدر ما لم يُحسن الشباب أنفسهم تقدير قيمته، وما لم تُدرك الدولة ضرورة تحديث أدواتها لاستثماره.
فاليوم نعاني من بطالة عالية تسجن الكفاءات في دائرة الانتظار، وهجرة متواصلة للعقول الشابة، مع غياب سافر لسياسات الدولة الواضحة لربط التعليم بسوق العمل.
العراق قادر على أن يصبح مركزًا إقليميًا للتكنولوجيا والطاقة المتجددة إذا استثمر في شباب متعلم ومبدع، كما أن انفتاح العالم على الشراكات يعزز فرص إدماج الشباب العراقي في مشاريع دولية، على غرار ما تفعله الهند واليابان.
على الشباب العراقي أن يعي أن مستقبلهم ليس قدرًا مغلقًا، بل مشروعًا يمكن أن يُصنع بالإصرار والابتكار، وعلى الحكومة أن تتعامل مع هذا الجيل ليس كعبء يحتاج وظائف، بل كقوة تحتاج منصات وبيئة تحتضن أفكارهم وتحوّلها إلى مشاريع وطنية.
قد تكون الهند واليابان وجدتا في بعضها تكاملًا يعزز قوتها المستقبلية، لكن العراق لا يحتاج أن يذهب بعيدا، كنزه الحقيقي يسكن في داخله، في شبابه، والسؤال هل نترك هذا الكنز خاملاً في باطن الأرض مثل النفط الذي نستهلكه دون تجديد؟ أم نفتح له الطريق ليصبح ثروة متجددة تُبقي العراق حيًا وقويًا في عصر يتغير بسرعة؟
والجواب يبدأ من انظمة التربية والتعليم، ومن الوعي المجتمعي الذي يستطيع تحصين نفسه من تفاهات التكنولوجيا والمؤثرين، الى جيل شبابي واعي ان طاقته وعمره هي الاداة الحقيقية وليس عدد المتابعين، او الاموال المؤقتة للمشاهير، او الراتب المنتظم من الدولة. وفقنا الله واياكم لما يحب ويرضى انه سميع مجيب.


