لم يكن إعلان مقتل المرشد الأعلى الإيراني مجرد خبر سياسي عابر، بل زلزال استراتيجي يهز أسس النظام الدولي الذي تشكّل بعد الحرب العالمية الثانية. فالرجل الذي قاد إيران لعقود لم يكن فقط زعيماً لدولة إقليمية، بل لاعباً مركزياً في توازنات الشرق الأوسط، ومهندساً لمحور سياسي وعسكري يمتد من الخليج إلى البحر المتوسط.
وإذا ثبت أن العملية جاءت في سياق سياسة يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، بالتنسيق مع إسرائيل، فإن ذلك يعني أن العالم دخل مرحلة جديدة عنوانها: سقوط النظم القانونية الدولية أمام منطق القوة.
خلال فترة حكم ترامب تغيّرت قواعد السياسة الخارجية الأمريكية، حيث بدأها بالإنسحاب من الاتفاق النووي الإيراني، وضغوط إقتصادية غير مسبوقة، وتصعيد عسكري غير مباشر، كل ذلك مهّد لمرحلة تقوم على فرض الوقائع بدل التفاوض.
وهذا النهج لم يكن مجرد سيطرة سياسية دولية وإنفراد بقوة عسكرية ، بل إعادة تعريف لفكرة الشرعية الدولية نفسها والإنفراد بتطبيقها. فبدل العمل بالمؤسسات الدولية والقانون، أصبحت القوة العسكرية وأحادية القرار هي المرجع.
منتقدوا هذه السياسة يرون أنها وضعت العالم على حافة فوضى استراتيجية، لأن الدول الكبرى إذا تجاهلت القانون الدولي، فإن ذلك يمنح مبرراً لدول أخرى لفعل الشيء ذاته.
وحدث اليوم هو سابقة خطيرة في تاريخ الصراعات الدولية فإغتيال قائد بحجم المرشد الأعلى الإيراني لا يمثل فقط ضربة لإيران، بل سابقة دولية خطيرة فهذا يعتبر شرعنة إستهداف القادة السياسيين وتقويض مبدأ سيادة الدول وتوسيع دائرة الحروب غير التقليدية.
فالتاريخ يثبت أن مثل هذه الخطوات لا تبقى محصورة في منطقة واحدة، بل تتحول إلى أدوات تستخدم عالمياً بحجج مشابهة.
قد يعتقد البعض أن استهداف رأس النظام الإيراني يضعف الدولة ويخلق فرصة لإعادة تشكيل المنطقة.
لكن التجارب من العراق إلى أفغانستان تشير إلى أن إسقاط القيادات لا يعني إسقاط الأنظمة، بل قد يؤدي إلى نتائج عكسية.
فإيران دولة ذات مؤسسات عميقة، وشبكة تحالفات إقليمية واسعة. مثل هذا الحدث قد يدفعها إلى
تعزيز التماسك الداخلي.
ورفع مستوى الرد العسكري.
والانتقال من الردع إلى المواجهة.
حيث نلاحظ إن الشرق الأوسط على حافة مرحلة جديدة وسيناريوهات مفتوحة فنجد العراق قد يعود ساحة مواجهة بين الولايات المتحدة وإيران.
وكذلك الخليج مهدد بإضطرابات إقتصادية وأمنية محتملة.
والصراعات في لبنان وسوريا واليمن مرشحة للتصعيد.
وهذا يعني أن أي “إنتصار” تكتيكي قد يتحول إلى خسارة استراتيجية طويلة.
وقد تحقق إسرائيل مكاسب أمنية مؤقتة، وقد ترى واشنطن أنها أعادت رسم خطوط الردع، لكن الثمن قد يكون عالماً أكثر اضطراباً وأقل استقراراً.
فحين يصبح إغتيال القادة أداة مقبولة، لا أحد سيكون خارج دائرة الإستهداف من قادة الدول والمسؤولين.
فإغتيال الخامنئي قد لا يكون نهاية الصراع، بل بداية مرحلة أكثر خطورة، حيث تتحول العلاقات الدولية إلى ساحة مفتوحة للقوة بدل القانون.
وهنا يكمن السؤال الأكبر:
هل دخل العالم عصر ما بعد القانون الدولي؟


