في الدول التي تحترم قواعد الاقتصاد والقانون، حين يصدر قرار اقتصادي كارثي، تتجه الأنظار فوراً إلى مراجعته أو إلغائه، وتتحمل الجهة التي أصدرته مسؤولية نتائجه. أما في العراق، فقد نشهد ظاهرة أكثر خطورة: ظهور مقترحات “إصلاحية انتقالية” لا لتصحيح الخطأ، بل لتجميله، ولا لإنصاف المتضررين، بل لتوفير مظلة فنية تبرر استمرار القرار ذاته.
إن المقترحات الأخيرة التي دعت إلى فرض نسبة (5%) انتقالية على البضائع المستوردة، قُدمت بغطاء إصلاحي ظاهري، لكنها في جوهرها لا تعالج أصل المشكلة، بل تمثل محاولة واضحة لإعادة تسويق قرار غير مدروس، وتخفيف حدة الغضب الناتج عنه، دون الاعتراف الصريح بمسؤوليته عن الفوضى التي أحدثها في السوق.
وهنا تبرز الحقيقة الصادمة ان المشكلة لم تكن في “سرعة التطبيق”… بل في القرار نفسه. الإشكالية الجوهرية ليست في النسبة بل في مشروعية القرار وأساسه القانوني إن أي نقاش حول تعديل نسب التعرفة أو توحيدها يتجاوز السؤال الأخطر: هل القرار الذي فرض التعرفة بصيغته الأخيرة صدر وفق الأطر الدستورية والقانونية السليمة؟
ذلك أن فرض الرسوم الكمركية يخضع لقانون التعرفة الكمركية رقم (22) لسنة 2010، الذي رسم آليات واضحة تستند إلى جداول مصادق عليها تشريعياً، ولم يمنح السلطة التنفيذية صلاحية فرض نسب انتقالية مجردة خارج هذا الإطار.
وعليه، فإن اقتراح نسبة انتقالية (5%) لا يستند إلى نص قانوني نافذ، بل يمثل اجتهاداً إدارياً لا يمكن أن يحل محل التشريع، مما يجعله عرضة للطعن بعدم المشروعية، ويؤسس لحالة من الفوضى القانونية، ويضرب أهم ركائز الاقتصاد: اليقين والاستقرار.
وهنا يتحول السؤال من كم تكون النسبة؟ إلى هل تملك السلطة أصلاً حق فرضها؟ هذه ليست معالجة… بل عملية إنعاش لقرار فاقد للمشروعية القاعدة القانونية المستقرة تقول القرار المعيب لا يُرمم… بل يُراجع. لكن ما طُرح يمثل أخطر انحراف في وظيفة الرأي الفني، لأنه لم يتعرض لمشروعية القرار، ولم يسأل: من منح حكومة تصريف الأعمال صلاحية إحداث زلزال سعري في السوق؟ بدلاً من ذلك، جرى القفز مباشرة إلى كيفية “تنظيم آثار القرار”، وكأن الضرر أمر واقع يجب التكيف معه.
وهنا تحدث أخطر نقطة تحول حين يتحول الرأي الفني من أداة لتقويم السلطة إلى أداة لتبريرها.
الاعتراف الضمني بالفشل… دون الجرأة على تسميته
حين يُطرح مقترح لتخفيف “الصدمة التضخمية”، فهذا يمثل اعترافاً واضحاً بأن السوق تعرض فعلاً لصدمة. لكن السؤال الذي لم يُطرح إذا كان ما حصل صدمة… فمن تسبب بها؟ وهل يُعقل أن يُكافأ القرار الخاطئ بإعادة صياغته بدلاً من إيقافه؟ في الاقتصادات المستقرة، الصدمة تعني خطأ يجب تصحيحه. أما في بيئة القرارات المرتجلة، فالصدمة تتحول إلى مبرر لإنتاج قرارات انتقالية جديدة.
المقترحات تجاهلت الآثار الواقعية وحاولت القفز فوق نتائج القرار
إن أي معالجة علمية يجب أن تبدأ بتقييم الأثر الاقتصادي الفعلي، والذي تمثل في:
- ارتفاع مفاجئ في أسعار السلع.
- ارتباك عمليات الاستيراد.
- تجميد رؤوس أموال التجار.
- تحميل المواطن الكلفة النهائية.
- زيادة احتمالات الفساد والتهرب.
ومع ذلك، لم تتضمن المقترحات أي آلية لتعويض المتضررين، ولم تتناول مسؤولية القرار عن هذه النتائج، بل ركزت فقط على كيفية “تحسين التطبيق”. وهنا تظهر المفارقة الصادمة تمت حماية القرار… وتجاهل الضحية.
التناقض المنطقي في الدعوة إلى الاستقرار عبر قرارات مؤقتة تدعو المقترحات إلى تحقيق “الاستقرار” عبر نسبة انتقالية لمدة ستة أشهر. لكن الاستقرار لا يتحقق بالمؤقت. الاستقرار يتحقق بالوضوح. فكيف يمكن للتاجر أن يخطط، ويستورد، ويتعاقد، في ظل نظام مؤقت؟
إن القرار المؤقت ليس استقراراً… بل إعلان رسمي أن الدولة نفسها لم تحسم موقفها. وأخطر ما يواجه السوق ليس الضريبة… بل تقلبها.
تجاهل البعد الدستوري وحدود صلاحيات
حكومة تصريف الأعمال: الأصل الدستوري أن حكومة تصريف الأعمال لا تتخذ قرارات استراتيجية بعيدة الأثر. لأنها تفتقر إلى التفويض السياسي الكامل. وعليه، فإن فرض أو إعادة صياغة التعرفة يمثل قراراً استراتيجياً لا إجرائياً. وأي محاولة لتثبيت آثاره عبر مقترحات انتقالية لا تغير من هذه الحقيقة، بل تمثل محاولة لإضفاء الشرعية على واقع غير مكتمل المشروعية.
من إصلاح الاقتصاد… إلى إصلاح صورة القرار
الأخطر في هذه المقترحات أنها لم تدافع عن الاقتصاد بل دافعت عن القرار.
لم تطالب بإيقافه. لم تطالب بمراجعته. لم تطالب بمحاسبة من تسبب بالأزمة. بل طالبت بطريقة أفضل لتطبيقه. وهنا يتحول الإصلاح إلى عملية تجميل إداري. لا تصحيح قانوني.
الحقيقة التي يجب أن تُقال دون مجاملة المشكلة لم تكن في نسبة (20%) أو (5%). المشكلة كانت في عقلية اتخاذ القرار. قرار بلا دراسة كافية. بلا تدرج. بلا تقييم أثر. ثم حين ظهرت نتائجه… بدأ البحث عن مخارج تحفظ القرار… لا الاقتصاد. لكن الاقتصاد لا يُدار لحماية القرار. بل لحماية المجتمع. البديل الحقيقي ليس تعديل النسبة بل تصحيح المسار بالكامل
المعالجة الحقيقية تقتضي:
- مراجعة القرار من أساسه.
- إعادة الالتزام بالأطر القانونية النافذة.
- إجراء دراسة أثر اقتصادي حقيقية.
- إشراك القطاع الخاص فعلياً.
- إصدار قرارات مستقرة لا انتقالية.
ما يجري اليوم ليس إصلاحاً كمركياً…
بل محاولة رسمية لإقناع السوق بأن الخطأ كان ضرورة. القرار الذي يهز السوق ليس إصلاحاً. والمقترح الذي يبرره ليس علاجاً. فالاقتصاد لا يستقر بتبرير الخطأ. ولا تُبنى الثقة بتجميل القرار. ولا تُدار الدولة بمنطق المعالجات المؤقتة.
الحقيقة الوحيدة الثابتة هي: أن القرار الخاطئ… يبقى خاطئاً، حتى لو كتبوا له ألف مقترح… وألبسوه ثوب الإصلاح.


