الشيعة في منظور النخبة الأميركية: “قراءة في رؤية فورين أفيرز لطبيعة النفوذ والمقاومة في المنطقة”

الشيعة في منظور النخبة الأميركية قراءة في رؤية فورين أفيرز لطبيعة النفوذ والمقاومة في المنطقة
تُبرز فورين أفيرز الوجود الشيعي كقوة سياسية عابرة للحدود، لا كمجرد مكوّن مذهبي، وتقرّ بأن حركات المقاومة أصبحت عاملاً حاسماً في التوازنات الإقليمية، وأن أي استقرار مستقبلي يستحيل دون إشراكها....

تقدّم مجلة فورين أفيرز—بوصفها الصوت الأكثر تأثيراً داخل النخبة الأميركية ومراكز التفكير المرتبطة بصنع القرار—إطاراً تفسيرياً ثابتاً عند تناول الوجود الشيعي في الشرق الأوسط، خصوصاً حين يرتبط بالمقاومة والإقليمية السياسية. فالرؤية الأميركية لا تتعامل مع الشيعة باعتبارهم مكوّناً اجتماعياً أو مذهبياً فحسب، بل بوصفهم فاعلاً سياسياً عابراً للحدود يمتلك بنية سردية أيديولوجية وقدرة تنظيمية تمنحه حضورا قوياً في ميزان القوى.

تُظهر المقالات المنشورة في المجلة أن النقاش الأميركي يدور حول ثلاث زوايا رئيسية:

  1. الهوية الشيعية بوصفها مصدر قوة سياسية

ترى المقاربات الأميركية أن صلابة الهوية الشيعية—المتمازجة بين البعد الديني والتاريخي والسياسي—أسهمت في بناء ما تسميه فورين أفيرز «شبكة النفوذ بالوكالة»، التي مكّنت إيران من توسيع حضورها من الخليج إلى المتوسط.

غير أن التحليلات تعترف بأن هذا النفوذ لا يقوم فقط على الدعم الإيراني، بل على تماسك اجتماعي داخلي مستند إلى الإيمان، والانضباط التنظيمي، والروابط الأسرية الممتدة داخل المجتمعات الشيعية.

  1. المقاومة كعامل إعادة تشكيل للمعادلات الإقليمية

تتعامل مقالات المجلة مع حركات المقاومة الشيعية—سواء في لبنان أو العراق أو اليمن—بوصفها لاعباً فاعلاً لا يمكن تجاوزه في أي هندسة جديدة للشرق الأوسط.

وترى النخبة الأميركية أن هذه القوى أثبتت قدرتها على الصمود، بل على قلب موازين الردع التقليدية، الأمر الذي عزّز صورة «المحور» كطرف قادر على إرباك السياسات الأميركية والإسرائيلية معاً.

وتذهب التقديرات إلى أنّ المقاومة لم تعد «حالة محلية»، بل عنصر توازن استراتيجي يفرض شروطه في الملفات الأمنية، ويعقّد أي محاولة لفرض تسويات أحادية.

  1. القلق الأميركي من مستقبل التوازنات في المنطقة

تركّز فورين أفيرز على أن الولايات المتحدة والخليج العربي يسعيان إلى «استقرار جديد»، لكن هذا المسعى يصطدم بواقع أنّ القوى الشيعية أصبحت رقماً صعباً بعد الحروب المدمّرة بين إسرائيل وحماس وبين إسرائيل وحزب الله.

وهذا يجعل النخبة الأميركية تطرح سؤالاً محورياً:

كيف يمكن تحقيق استقرار إقليمي دون إدماج القوى الشيعية في أي صيغة سياسية أو أمنية؟

وبحسب المجلة، فإن واشنطن باتت تدرك أن عزل الشيعة أو تجاهلهم لم يعد خياراً واقعياً، وأن أي ترتيبات من دونهم ستبقى هشة.

ولهذا تدعو بعض التحليلات إلى تطوير رؤية «احتواء تشاركي» بدلاً من الصدام المباشر.

تظهر رؤية فورين أفيرز أن النخبة الأميركية لا تنظر إلى الوجود الشيعي بوصفه معطى مذهبياً فقط، بل باعتباره قوة سياسية أصيلة في بنية الشرق الأوسط، تمتلك القدرة على فرض توازنات جديدة، وعلى مقاومة الضغوط الخارجية، وعلى إعادة رسم خرائط النفوذ.

ومن هنا، تتعامل السياسة الأميركية مع هذا الوجود بنبرة مزدوجة:

تقليل للروافع الأيديولوجية حيناً، واعتراف صريح بأن هذه القوى جزء حتمي من مستقبل المنطقة حيناً آخر.

وفي كل الأحوال، تسلّم الدراسات بأن تجاهل هذا الواقع لم يعد ممكناً، وأن معادلة الشرق الأوسط الجديدة باتت تمرّ عبر فهم الدور الشيعي وموقعه في الصراع والمقاومة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *