كيف ينبغي أن يتعامل الإطار التنسيقي مع التدخلات الأميركية؟ في لحظات الاحتقان السياسي، لا تكون الحكمة في رفع الصوت بقدر ما تكون في إحكام المسار. وما صدر عن الرئيس الأميركي دونالد ترامب من تهديد ورفض لترشيح السيد نوري المالكي لا يخرج عن كونه تدخّلًا سياسيًا فجًّا، لكنه في الوقت ذاته اختبار لمدى نضج الفعل السياسي العراقي، وقدرته على إدارة السيادة بعقلٍ بارد لا بردّات فعل.
أول ما ينبغي على المعنيين فعله هو تحويل التدخل من أزمة إلى ورقة قوة داخلية، عبر تثبيت مبدأ أن الترشيح شأن دستوري عراقي خالص، لا يُدار بردود شخصية ولا بسجالات إعلامية، بل بتماسك مؤسساتي داخل الإطار التنسيقي. فالإكثار من الردود الانفعالية يمنح التدخل وزنًا أكبر من حجمه الحقيقي.
ثانيًا، كما يحتاج للمعنيين إلى إدارة الموقف بصمت سياسي ذكي؛ أي ترك التصريحات الخارجية تمرّ دون تضخيم، مقابل تعزيز التنسيق الداخلي، وتوحيد خطاب قادة الكتل داخل الإطار، بحيث لا تتحول التغريدة إلى مادة انقسام أو تباين في المواقف. الصمت المدروس هنا ليس ضعفًا، بل رسالة سيادة.
ثالثًا، على الإطار التنسيقي أن ينتقل من الدفاع إلى المبادرة، عبر تحشيد الرأي السياسي الوطني لا ضد شخص أو دولة، بل لصالح فكرة القرار العراقي المستقل. هذا يتم من خلال: لقاءات داخلية مغلقة لقادة الإطار بلورة خطاب سياسي موحّد إشراك القوى المتحالفة في صياغة موقف سيادي جامع.
رابعًا، من الضروري فصل شخص السيد المالكي عن جوهر الأزمة؛ فالقضية ليست في اسم المرشح بقدر ما هي في حق الكتلة الأكبر بترشيح من تراه مناسبًا. هذا الفصل يمنع خصوم الداخل والخارج من تحويل المسألة إلى معركة شخصية، ويُبقيها في إطارها الدستوري. خامسًا، ينبغي عدم منح ترامب – أو غيره – دور “صانع الحدث”. فالتجربة أثبتت أن التدخلات الإعلامية الأميركية غالبًا ما تكون ظرفية، انتخابية، أو استهلاكية. التعامل معها كتهديد وجودي يضر بالثقة الداخلية، بينما تجاهلها المدروس يسحب منها مفعولها السياسي.
في السياقات الدولية المعاصرة، تُقاس قوة الدول بقدرتها على امتصاص الضغوط لا بمجرد رفضها. فالدول التي تمتلك مؤسسات سياسية متماسكة تستطيع تحويل التدخل الخارجي إلى عامل إعادة ترتيب داخلي، بينما تتحول الدول الهشة إلى ساحات صدى للصراعات الدولية. والعراق اليوم يقف بين هذين النموذجين: إما أن يوظف الضغوط لتقوية بنيته السياسية، أو يسمح لها بتعميق انقساماته. الخيار ليس نظريًا، بل قرار نخب يُتخذ في غرف مغلقة، وتنعكس نتائجه على استقرار دولة بأكملها.
وأخيرًا، على الجميع سواء في الإطار أو حزب دولة القانون وتيار الفراتي أن يوجهوا رسالة واضحة لقادة الإطار التنسيقي مفادها: أن المرحلة تتطلب إدارة دولة لا إدارة ردود، وبناء سلطة لا بناء خطابات، وترسيخ القرار الوطني عبر التماسك والعمل الهادئ، لا عبر الاشتباك الكلامي الذي يخدم خصوم الداخل قبل الخارج. فالدول لا تُدار بالتغريدات، ولا تُهزم بالتدخلات، إذا ما امتلكت نخبها القدرة على تحويل الضجيج إلى صمت منتج، والصدام إلى تماسك.


