أجْيَالُ الحَربِ فِي الإمبَرَاطُورِيَّةِ الأَمرِيكِية (2)

أجْيَالُ الحَربِ فِي الإمبَرَاطُورِيَّةِ الأَمرِيكِية (2)
يرى الطرح أن القوة غير المنضبطة تقود لانهيار الحضارات، ويصوّر النظام العالمي الحالي متجهاً للأفول أمام قوى صاعدة، معتبراً السياسات الأمريكية محاولة للهيمنة، ومؤكداً أن العالم يتجه إلى تعددية قطبية تفرض واقعاً دولياً جديداً...

نِعمة القوة والحضارة

ما أجمل القوة إن كانت منضبطة بضوابط الحق والمنطق والعدل، وما أبشع وأشنع القوة المنفلتة وغير المنضبطة بأي ضابطة تضبطها وتوقفها عند حدِّها، فالقوة المنضبطة تصنع الحضارة، وأما القوة المنفلتة فهي تدمِّر كل شيء بَنَته الحضارة، وتلك هي قصة الطغيان والطغاة عبر التاريخ منذ الفجر الأول للتاريخ وحتى الآن.

القوة من أهم وأعظم عوامل التجبُّر والتكبُّر والطغيان لأنها تُشعر صاحبها بأنه متفوِّق على الآخرين، فإذا لم يكن هناك مَنْ يضبطه أو يضع له حداً فإنه سيفعل ما يريد أو ما يرغب دون النظر إلى النتائج لأنه في مأمن من المحاسبة أو المعاقبة والمَثَل العربي يقول: (مَنْ أمِن العقوبة أساء الأدب)، وهذا بالضبط ما يجري في هذه الأيام على الساحة العالمية التي وصل إلى سدَّة الحكم في الإمبراطورية الأقوى -الولايات المتحدة الأمريكية- شخص مثل هذا المعتوه البرتقالي الذي يعيش جنون العظمة، ويمارس جنون القوة وطغيان السُّلطة بأبشع أنواعها وأشكالها لأنه يعتبر العالم مزرعة أبقار له والشعوب كلها عبيد عند والده يفعل بهم ما يشاء.

والحضارات المتعاقبة منذ الحضارة الأولى وحتى الحضارة الغربية الراهنة تؤكد بأن سقوط الحضارة يبدأ بإسقاطها منظومة القيم التي قامت عليها من البداية، لأن الحضارة لا تعني التقدم العلمي والتطور التكنولوجي فقط بل تعني حضور الإنسان لدى أخيه الإنسان وفق منظومة من القيم التي تحدد الحقوق وتحافظ على القيم الحضارية بينهما، فهي منظومة قيمة أولاً ثم بناء مادي وتكنولوجي ثانياً، وتبدأ بالسقوط والتردِّي نحو الهاوية عندما تتخلَّى عن تلك القيم وتستهين بها وتحاول إسقاطها بالقوة الناتجة عن الغطرسة وجنون العظمة التي نراه الآن جميعاً.

وللحضارات منطقها السَّليم في القيام وكذلك لها أسبابها المنطقية في السقوط والانهدام، ولكن الجيل الثالث والأخير لأبناء الحضارة لا يعرفون ولا يُقدِّرون البدايات فيستهينون بكل القيم والقوانين التي قامت عليها الحضارة مما يؤدِّي لسقوطهم لأنهم بأعمالهم يحفرون قبورهم بأيديهم كما في المثل العربي المعروف والآن أصحاب الحضارة الغربية بقيادة البيت الأسود والشخص البرتقالي يحفرون قبر الحضارة الرقمية بأيديهم وسيخرِّبون كل ما بناه العلماء والخبراء بجهلهم وطغيانهم وتجبُّرهم وتكبُّرهم واستهتارهم بكل القيم الإنسانية الحضارية.

تسونامي (ترامبي) يضرب فنزويلا

في غرَّة هذا العام الميلادي 2026 وفي يوم الجمعة في 3 / 1/ منه استيقظ العالم على خبر وقع كالصَّاعقة على الجميع لا سيما الذين يعملون بالشأن السياسي أو الإعلامي، أو حتى العسكري، مفاده: “الولايات المتحدة الأمريكية توجِّه ضربات عنيفة جداً إلى العاصمة الفنزويلية كراكاس، وفي الأثناء تسللت مجموعة من قوات (الدلتا) النُّخبة من المارينز الأمريكية وقامت بإنزال عسكري على القصر الجمهوري ودخلت إلى غرفة نوم الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو واعتقلته هو وزوجته واقتادتهم إلى الولايات المتحدة لمحاكمتهم بجرائم نسبت إليهم”.

وبالتفاصيل يقول رئيس أركان الجيش الأميركي دان كين: “إن أجهزة الاستخبارات أرادت أن تفهم كيفية تحركه -الرئيس مادورو- وأين يعيش، وإلى أين يسافر، وما يأكل، وما يرتدي، وما حيواناته الأليفة التي يربيها”، واستغرق التخطيط للعملية أشهراً، وتضمنت إعداد وتدريبات ومحاكاة دقيقة، حتى إن القوات الأميركية أنشأت نموذجاً مطابقا للبيت الذي كان يقيم فيه الرئيس الفنزويلي.. وأصبحت القوات الأميركية جاهزة للتنفيذ في مطلع ديسمبر/كانون الأول، لكنها انتظرت الإشارة والأوامر من شخص الرئيس البرتقالي شخصياً.

وانتظر ترامب إلى يوم الجمعة 3 /1 / 2026م، وهو نفسه اليوم الذي أعطى أوامره التعسفية لاغتيال قادة النَّصر في مطار بغداد وكان يشرف على العملية شخصياً في غرفة العمليات، وبنفس الوقت أعطى الأوامر لبدء تنفيذ العملية في فنزويلا، ففي الساعة 17:46 بتوقيت غرينيتش، قائلاً: “حظاً سعيداً ورياحاً مواتية“، وهذه كانت رسالة البرتقالي لجيوشه وعساكره للقيام بأبشع جريمة سياسية في هذا العصر.

وبدأت الكارثة بإقلاع نحو 150 طائرة أميركية من قواعد برية وبحرية، من بينها مقاتلات وطائرات استطلاع ومسيّرات ومروحيات باتجاه كراكاس، وتحت جنح ظلام دامس، طارت المروحيات التي حوت على متنها الوحدة المكلفة بنقل الرئيس الفنزويلي، واختارت التحليق على علو منخفض فوق سطح المحيط لا يزيد عن بضع عشرات من الأمتار، وتكفلت المقاتلات بتوفير غطاء جوي، وفي نفس الوقت قامت القوات الجوفضائية والأقمار الصناعية الأميركية والتقنيات السيبرانية بتعطيل كل الرادارات والشبكة العنكبوتية وكل ما لدى فنزويلا من وسائل اتصال أو تواصل حتى الكهرباء وضربوا كل المناطق الحساسة في كراكاس.

الجيل الخامس من الحرب

هذا ما أطلقتُ عليه الجيل الخامس من الحرب الأمريكية (الترامبية) رغم أنه لم يتطرَّق إليه أحد من الكتاب أو القادة الأمريكان، إلا أنهم بعد فترة سيكتبون عنها قطعاً لأنهم يعتبرونها خطوة جديدة وناجحة بكل التفاصيل، حيث أنهم احتلوا الدولة وأجبروها على نقل الحكم وتشكيل حكومة موالية لهم تنفِّذ كل أوامرهم بعد أن أسروا الرئيس المنتخب الذي كان يقف حجر عثرة في وجوههم ويرفض أن يدفع لهم النفط والغاز وكل ما لديه من خيرات وأموال.

وما يؤشر على ذلك أنهم راحوا يلوِّحون بهذه الطريقة بتعاملهم مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية رغم الفارق الكبير بين الدولتين والنظامين والحكومتين فأين فنزويلا من الجمهورية الإسلامية في إيران، ولذا أعتقد أن البرتقالي (الترامب) يفكر في أن يعيد التجربة في أكثر من دولة مثل إيران وكوبا وكندا وغرينلاند وغيرها، وسيعتمدها كأسلوب حرب أمريكية جديدة رغم كل خطورتها على النِّظام العالمي والدَّولي والواقع الأممي الذي يحاول ترامب أن يفلِّشه ويدمِّره ويصنع شيئاً جديداً أكثر ملائمة لطموحاته وتطلعاته في كل دول العالم، فهو يحاول تدمير كل النظام العالمي القائم ويستعيض عنه بنظام أكثر أمركة، وأشد قوة، وأكبر بطشاً على الشعوب والدول.

مجلس السَّلام العالمي

فهذا النظام الدولي الذي قام في أعقاب الحرب العالمية الثانية بكل تشكيلاته ومؤسساته الدولة والأممية يحاول أن يتخلَّص منها فهو قد انسحب من حوالي سبعين من المنظمات الأممية حتى الآن، كما أنه يريد أن يستعيض عن مجلس الأمن (وأنا أسميه بمجلس الحرب)، الذي هو رهن بالفيتو الأمريكي في كل قراراته وعلى كل المستويات، فإنه بطلت موضته فها هو يحاول أن يستبدله (بمجلس السَّلام العالمي)، الذي جعل من غزة هاشم بعد أن دمَّرها على رؤوس أهلها بعد الآلاف من الشهداء فهو يريد أن يجعل منها جنَّة ترامبية بامتياز لأنه يرى أنه يستحق أن يكون من أهل الجنة لأن الله أرسله من أجل السَّلام فهو قد أوقف ثمانية حروب خلال السنة الأولى من حكمه الجديد، ولا تسألني أين الحروب التي أوقفها بل اسألني عن تلك الحروب التي أشعلها.

حيث جرى التوقيع على ميثاق إنشاء “مجلس السَّلام” في مدينة دافوس السويسرية على هامش أعمال منتدى دافوس الاقتصادي العالمي بحضور الرئيس الأميركي وزعماء 59 دولة شاركت معه مؤكداً أن إدارته نجحت في إنهاء 8 حروب بالعالم، وهناك حرب أخرى ستنتهي قريباً، وقال الرَّجل: إن “الفرصة سانحة لإنهاء عقود من الكراهية وسفك الدِّماء في الشرق الأوسط والعالم”.

فانسحابه من المنظمات الدَّولية وحشده كل هؤلاء في دافوس كان خطوة لتهيئة العالم للنظام العالمي الجديد الذي يبحث عنه الترامب لضمان قيادة العالم في القرن المقبل بشكل أكثر قوة وقسوة وسرقة ونهباً لمقدرات الشعوب والأمم.

هل سينجح الترامب؟

وهنا يُطرح علينا بإلحاح هذا السؤال: هل سينجح الرجل البرتقالي بتدمير النظام العالمي والدولي الذي يحكم الكرة الأرضية ويستعيض عنه بمجلس يُنشئه على كيفه ومزاجه وكما يروق له؟

الجواب على هذا السؤال ليس بالأمر السَّهل أبداً لأنه يرسم لنا خريطة الصراع العالمي وتوزيع مراكز القوى العالمية وهل يستطيع ترامب بإمبراطوريته المتهالكة والمتداعية بل المترنحة للسقوط مقابل تلك القوى الناهضة والاقتصادات الصاعدة بقوة كالصين والهند وروسيا الإتحادية وغيرها؟ فالمنطق العالمي الآن أصبح متعدد الأقطاب وليس فيه القطب الأمريكي الذي يحكمه.

نعم؛ هو سيحاول بكل ما أوتي من قوة وخبث ومكر وحيلة أن يطيل أجل السقوط لإمبراطوريته، ولكنه لن يستطيع أن يوقفها أو يمنعها من السقوط المدوي القريب، لأنه لو باع كل بلده لن يستطيع أن يوفي الديون التي تقدَّر ب 38 ترليون دولار حتى الآن، رغم كل ما سرقه من أموال ومقدرات ومدخرات الشعوب والتي يقدِّرها هو حيث يفتخر بأنه حصل على 18 ترليون دولار خلال أقل من سنة من حكمه، لا سيما من البلدان العربية التي تعطيه بلا حساب للأسف الشديد.

التنين الصيني، والدب القطبي

الحقيقة العالمية التي تدركها كل شعوب الأرض -إلا الحكام العرب- أن التنين الصيني صاعد ولن يتوقف إلا أن يتربَّع على القمَّة، وكذلك الدب القطبي الذي حشدوا كل قوى أوربا لعرقلته وإيقافه بهذه الحرب التي أشعلوها في أوكرانيا إلا أنه سيخرج أكثر قوة وشراسة ولن يرضى منهم إلا أن يكون له مكاناً في القمَّة أيضاً، وعند ذلك لن يكون مكان للبرتقالي وبيته الأسود بل سيسقط كما سقط الإتحاد السوفييتي بليلة سوداء وتتقسَّم الولايات إلى دول متحاربة كما كانت قبل قرن من الزمن، وعندها لن يرحم أحد تلك الدولة والحكومة التي سرقت ونهبت الشعوب والأمم وأذلت الناس بتكبُّر وتجبُّر وطغيان عليهم.

فلن ترحمه أوربا العجوز التي يحاول أن يذلَّهم ويخضعهم لسلطانه ويقهرهم بجبروته، لا سيما منطقه في احتلال جزيرة غرينلاند وغيرها من البلدان الغنية، ولن يرحمه جيرانه من دول وشعوب أمريكا اللاتينية كفنزولا، وكوبا، وكندا، والمكسيك، وغيرها ولن ينسوا له فعلته بالرئيس مادورو، كما أن شعوبنا الإسلامية لن تنسى له منطقه وتعامله معهم لا سيما مع دول النفط الخليجية الذي تعامل معه كأبقار الحليب بكل حقارة ووقاحة، وكذلك هذا العداء العجيب الغريب والاعتداء على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، ومحاولاته تدميرها وضرب برنامجها النووي السلمي، وانسياقه خلف صديقه اللدود (النتن) حتى ينهي كل مراكز القوى فيها.

الحرب على الجمهورية الإسلامية

ومن هنا نعرف جانباً من الجوانب الخفية لهذا الإعلان الحرب على الجمهورية الإسلامية الإيرانية -التي سنخصص لها عدة حلقات في المستقبل القريب- فهو ليس البرنامج النووي السِّلمي لديها، ولا البرنامج الصاروخي المتعدد المهام، ولا أي شيء بل هو كل شيء في الجمهورية الإسلامية من قوى لأن القوة هي التي يفهمها أبناء (يهوه) وجنود الرَّب -كما يسمون أنفسهم- فهم يعبدون المال متمثلاً ب(العجل الذَّهبي)، ويقدِّسون القوة لأنها تحميهم كما يظنون، ولذا منوع على أي دولة من دول المنطقة أن تكون قوية ومقتدرة في أي مجال من المجالات الاقتصادية، والأمنية، والعسكرية، وحتى السياسية والاجتماعية، لأنها ترى في هذه القوة خطراً كبيراً على وجودها، فيجب أن تكون كل الدول ضعيفة حتى تكون هي الأقوى ولديها جيش (الشمشون)، أو (السوبرمان) الذي لا يقهر، وها هي مصر العربية أفضل مثال على ذلك، وسوريا وما يُفرض عليها.

فالحرب على الجمهورية الإسلامية يحاول السيد البرتقالي أن يعيد فرضية فنزويلا ومادورو ليُثبت صحَّة فكرته ونظريته الحربية ليطلقوا الجيل الخامس من الحرب على بقية الدول ككوبا وكندا والمكسيك وغيرها ولكن هيهات له أن ينجح في تطبيق فكرته الشيطانية على الجمهورية الإسلامية الذي تعلم القادة ورجال الحرب فيها الكثير من  الدروس في الحرب الماضية 12 يوماً، ويعملون ليلاً ونهاراً مع القوى العالمية الصاعد -الصين وروسيا- لتلافي الأخطاء التي ظهرت وتقوية نقاط الضعف في صفوفهم، كما أنهم بنفس الوقت كانوا يدرسون نقاط القوة لديهم لتعزيزها وتقويتها لا سيما في القوة النارية ذات التأثير الكبير والمدمِّر على الشيطان الأصغر اللقيط في منطقتنا، وذلك لإكمال تدميره وإعادة مَنْ يتبقى من هؤلاء الأشقياء إلى مواطنهم الأصلية التي جاؤوا منها تحت قوة الكذب والدجل والطمع بحياة الجنة في أرض الميعاد (فلسطين)، التي ستكون ميعاداً بمفهومنا لا بأوهامهم.

كلمة ختامية

إمبراطورية الشيطان تحفر قبرها بيديها الآن وكلما طالت الفترة فإن القبر سيكون عميقاً والسقوط فيها مدوياً أكثر وأشد وأعنف، فالعالم اليوم ليس لعبة بيد الشيطان الأكبر البرتقالي (الترامب)، ولا الشيطان الأصغر (النتن)، ليفعلا به ما يريدان ويطمحان، فالعالم بشعوبه التي صارت تقدَّر بثمانية مليارات لن تسمح لهما بتدمير هذا النظام لأن تدميره يعني الدخول في الفوضى العالمية، وهذا يعني الدَّمار والهلاك للجميع لا سمح الله وقدَّر.

ولكن أين مكاننا نحن العرب في خريطة العالم السياسية والحضارية بعد هذا المعترك؟

هذا ما يجب أن نفكِّر فيه من الآن حتى لا نُبهت ونتحيَّر إذا ما وقعت الواقعة القادة بإذن الله، فهل سيكون لنا مكان تحت الشمس في القمَّة، أو أننا سنبقى في الحضيض ويحكمنا الخونة؟

تلك هي المسألة التي يجب أن تشغلنا أيها الأحبة، لأنه لن تنهض الأمة ويحكمها مثل هؤلاء الأقزام، الذين جاءت بهم إمبراطورية الشيطان بعد التقسيم وسايكس بيكو، فيجب أن نعود لوحدتنا لتعود لنا عزتنا وكرامتنا فنحن أمة تعدُّ ربع السكان ولكن يحكمنا الخونة والأقزام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *