مقدمة حربية
الحرب ظاهرة اجتماعية رافقت الإنسان منذ أن هبط على الأرض وكان معه عدوَّه اللدود الشيطان، حيث أنه يجري فيه مجرى الدَّم في العروق، ولذا شهدت الإنسانية أول جريمة قتل ارتكبها الأخ قابيل المجرم، بحق أخيه هابيل المسالم، فكانت أول معركة كانت ضحيتها ربع أو سدس البشر في حينها، قال تعالى: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).. (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (المائدة/30)
كان ذلك النموذج الأول الذي يذكرنا به ربنا سبحانه ليكون أمام أعيننا، ولكن الإنسان رغم ندمه على فعلته الشنيعة إلا أنه اتخذ هذا النهج العدائي والفعل الشيطاني في مراحل حياته، فصارت ظاهرة الحرب والقتال من أهم مظاهر الحياة، بل أطلقوا عليها اسم (محرك أو قطار الحضارة)، لأن معظم الإبداعات والصناعات جاءت في الحروب لحاجة الإنسان لأسلحة الحرب والقتال في الهجوم، والدفاع، والتأثير وتفادي الأثر وهكذا تطورت الصناعات في ظروف استثنائية في تاريخ البشرية.
أجيال الحرب في النظرية الأمريكية
شهد التاريخ البشري حتى الآن -كما يقول العلماء- حوالي عشرين حضارة عملاقة، والحضارة لا تقوم إلا على العلم والقوة، وكل الصناعات الثقيلة والمؤثرة والتي تغيِّر مسير العالم تكون في الحرب أو في أعقابها، وعلى أثرها تقفز الأمة أو الشعب أو الدولة إلى الحضارة التي تبنيها بجناحي العلم والقوة، ولكن الحضارة الرقمية التي وصلت إليها البشرية هي أرقى الحضارات، والقوة الأمريكية هي أقوى الدول في هذا القرن الذي يطغى عليه رجال (الكوبوي) الأمريكان.
ولكن العالم والشعوب وقعت بمشكلة كبيرة مع هذه الحضارة القوية، لأن الحضارة أساساً تقوم على القيم، وحضور الإنسان لدى أخيه الإنسان على أساس منظومة من القيم تنظم العلاقات المختلفة بينهم، ولكن الحضارة الأمريكية تريد أن تنسف وتنكر كل القيم الإنسانية، وتدك وتدمِّر كل المكتسبات البشرية لتبقى هي مسيطرة ومتربعة على عرش القوة والحضارة ولو أبادت كل الشعوب والأمم الأخرى لأن شعارهاً: (أمريكا أولاً)، ومن بعدها الطوفان أو الجحيم.
والعجيب في النظرية الأمريكية أنها لا تتحدَّث عن الحرب ولكن تتحدَّث عن أجيال الحرب كمحاربين، وليس كسلاح ونار وتكتيك وخطط وغير ذلك من المفاهيم التي ترتبط بالحرب، بل تقفز عن ذلك كله لتتحدَّث عن الظاهرة نفسها وتصف أجيال المحاربين فيها وذلك لأنها كيان ارتبط وجودها بالقتال والحرب ولذا حصرت كل المفاهيم بها، وكل المصالح بمصالح أمريكا فقط، تلك النَّظرية اليهودية العنصرية التي وسَّعها الآباء المؤسسون لأمريكا بعد أن انتزعوها من التوراة والتلمود وصبغوا أنفسهم بها، ولذا تراهم يستميتون بالدِّفاع عن الكيان اللقيط في فلسطين لأنهم يحملون ذات الأفكار العنصرية تجاه الآخرين من الشعوب والأمم مهما كانت قومياتهم وجنسياتهم، والحرب في النظرية الشيطانية الأمريكية مرَّت بأربعة أجيال عندهم وهي:
حرب الجيل الأول: هي الحرب التقليدية بين دولتين وجيشين نظاميين؛ ولذا يعرِّفها الكاتب الأمريكي ويليام ليند: بأنها حروب الحقبة من 1648 حتى 1860 حيث عرفت بالحروب التقليدية بين جيوش نظامية وعلى أرض معارك محددة بين جيشين يمثلون دول في حرب ومواجهة مباشرة.
حرب الجيل الثاني: هي حرب العصابات؛ والتي كانت تدور في دول أمريكا اللاتينية، ويعرفها ويليام ليند: هي الحرب الشبيهة بالجيل الأول من الحروب التقليدية، ولكن ليست بين جيشين لدولتين بل بين جيش نظامي وعصابات مسلحة، أو بين عصابات مسلحة فيما بينها، وإن استخدمت فيها كل أنواع الأسلحة كالدبابات والطائرات والصواريخ وغيرها من النيران بين الأطراف المتنازعة.
حرب الجيل الثالث: هي الحرب الاستباقية أو الوقائية؛ وهي نوع خاص اخترعته عقول الدَّمار والخراب الأمريكية لتبرير حروبها الخارجية بعد أحداث 11 سبتمبر 2001م، كالحرب على العراق وأفغانستان، وبقية الدُّول المارقة عن إرادتها، والمتمرِّدة على أوامرها، ويعرفها ويليام ليند بقوله: “بأنها طوُرَت من قبل الألمان في الحرب العالمية الثانية وسمِّيت بحرب المناورات وتميَّزت بالمرونة والسرعة في الحركة واستخدم فيها عنصر المفاجأة وأيضاً الحرب وراء خطوط العدو”، وهذا اشتباه ولم يجرؤ ليند على التصريح بالحقيقة فقذفها برقبة الألمان، لأن ما عرَّفه هي أجزاء من الحروب التقليدية وتكتيكاتها حيث المناورة وسرعة الحركة والالتفاف على العدو أو الإنزال خلف الخطوط لتحقيق المفاجأة بالقتال في الخطوط الخلفية له، والحقيقة هي أنها الحرب الأمريكية التي أعلنتها على الشُّعوب والدول التي يُراد تخضيعها أو تركيعها وكان لنا فيها الحصَّة الأوفر.
حرب الجيل الرابع: حرب المنظمات الإرهابية؛ حيث اتفق الخبراء العسكريون بأن الجيل الرابع للحرب، وهي حرب أمريكية صرفة وبامتياز حصري بالأمريكان، قد بدأت وطوِّرت من قبل الجيش الأمريكي وعرَّفوها بأنها “الحرب اللا متماثلة، أو اللا متعادلة”، وذلك عندما الجيش الأمريكي أعلن الحرب على القاعدة وهي عصابة وليست دولة بعد أحداث 11 سبتمبر 2001، وهي محاربة تنظيمات إرهابية منتشرة حول العالم، وهذه التنظيمات محترفة قتالياً، وتملك إمكانيات مادية ممتازة، ولها خلايا خفية تنشط لضرب مصالح الدول الأخرى الحيوية كالمرافق الاقتصادية وخطوط المواصلات لمحاولة إضعافها أمام الرأي العام الداخلي بحجة إرغامها على الانسحاب من التدخل في مناطق نفوذها ومثال على هذه التنظيمات: القاعدة، وداعش.. وتستخدم فيها وسائل الإعلام الجديد والتقليدي، ومنظمات المجتمع المدني، والمعارضة السياسية، والعمليات الاستخبارية، والنفوذ الأمريكي في أي بلد لخدمة مصالح الولايات المتحدة الأمريكية وسياسات البنتاغون، فهي حرب أمريكية لتخدم المصالح والسياسات الأمريكية في كل دول العالم، واخترعها الأمريكان لما رأوا كثرة الضحايا منهم، وكميَّة الخسائر المادية والبشرية لجنودهم عندما يخوضون هم بأنفسهم وجيوشهم المعارك، فقالوا: لماذا نذهب ونقاتل بأنفسنا تلك الأنظمة والحكومات ولا نجعلهم يقاتلون أنفسهم بأنفسهم، فيكون القاتل والمقتول والخسائر كلها منهم، وما علينا إلا التأييد والمساندة السياسية في المحافل الدولية والترويج والتسويق في الإعلام، فنبيع المواقف والسلاح لمَنْ يريد وندعمهم ليفنوا بعضهم ويحققوا مصالحنا أو نفشل تلك الحكومات ونضعف تلك الدول المارقة علينا، بالخسائر الصفرية وأعلى ربح يمكن لدينا.
والحرب الجديدة حسب تعريف أول مَنْ أطلقها في محاضرة علنية وهو البروفيسور الأمريكي “ماكس مايو راينك” في معهد الأمن القومي الصهيوني حيث عرَّفها بكلمات ومفاهيم مختصرة كالآتي: “الحرب بالإكراه، إفشال الدولة، زعزعة استقرار الدولة، ثم فرض واقع جديد يراعي المصالح الأمريكية”. (الموسوعة الحرة بتصرف)
فهذه الحرب الأمريكية تقوم وتستمر لتحقيق المصالح الأمريكية وأمنها القومي ودولتها العميقة ولكن بأيدي تلك المنظمات الإرهابية والمجموعات المارقة على الدولة القومية وجيشها النظامي، وذلك بعد الخسائر الكبيرة التي منوا بها في فيتنام، وأفغانستان، ولبنان، والعراق وغيرها فاخترعوا هذا النوع من الحرب للفناء الذاتي للدول التي تريد إخضاعها لأوامرها وقراراتها، كما يجري ويحدث منذ بداية القرن الحالي، ونعيشه ونصطلي بناره في دولنا العربية خاصة، وها هي التجربة السورية أمام الجميع تشهد على هذه الحرب وقذارتها، حيث وصلت تلك المجاميع التي هم صنفوها بالإرهابية، ورجالها المطلوبين لديهم إلى القيادة فيها، وهذا من أعجب العجب في السياسة الأمريكية الحالية فعلاً، ولا عجب منها لمَنْ عرفها وأدرك معنى هذا الجيل من الحرب لديها.
عناصر الحرب في الجيل الرابع
1-الإرهاب بأبشع أنواعه، وأشنع جرائمه لأنه حرب أهلية بامتياز.
2-قاعدة إرهابية غير وطنية أو متعددة الجنسيات كما في سوريا هذه القطعان من (86) دولة.
3-حرب نفسية متطورة للغاية من خلال الإعلام والتلاعب النفسي بالشعوب.
4-تستخدم كل الضغوط المتاحة؛ السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.
5-استخدام تكتيكات حروب العصابات والتمرُّد على الدولة، فيُضرب الجيش والبُنى التحتية.
ميِّزات الحرب في الجيل الرابع
يُعرّف الجيل الرابع من الحروب بأنه الصراعات التي تنطوي على العناصر المميِّزة التالية:
1-معقدة وطويلة الأمد حتى تحقق أهدافها الأمريكية ومصالحها العليا.
2-الإرهاب كالأُسلوب عمل في الحرب والقتال ضد الدولة الوطنية ومصالحها.
3-قاعدة غير وطنية أو متعددة الجنسيات، لا مركزية للغاية، وكلها ترتبط بأجندات خارجية.
4-هجوم مباشر على ثقافة البلد وقيمه وحضارته، بما في ذلك أعمال الإبادة الجماعية.
5-الحرب النفسية والبروباغندات المتقدمة للغاية، من خلال التلاعب في وسائل الإعلام، ومتصيدي الإنترنت، وبرامج الروبوت والقانون الدولي، والحصار والتجويع، ومنع حتى الدواء.
6-استخدام جميع الضغوط المتاحة، السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعسكرية.
7-الصراعات منخفضة الحدَّة، والتي يشارك فيها ممثلون من الشبكات ذات المصالح المشتركة.
8-غير المقاتلين الذين يُعتبروا فرق تكتيكية مُحيرة فلا أحد يعرف عدوَّه فالكل عدو الكل الآخر.
9-عدم وجود قيادة موحدة، وغياب التسلسل الهرمي فيها.
10-صغر الحجم الوحدات، وتوافر شبكة الاتصالات والدَّعم المالي لهم من مشغِّليهم.
11-استخدام تكتيكات التمرد أساليبًا للتخريب والإرهاب وحرب العصابات دون رادع أو وازع فهم يعملون أي شيء ويضربون ويفجِّرون ويخرِّبون كل البُنى التحتية حتى الجسور والقطارات والمطارات وينهبون البنوك ويضربون ويخربون ويدمِّرون كل شيء في البلد حتى تتعطَّل وتفشل فيوقفون حتى المدارس والجامعات، وحتى إن وصل أولئك الإرهابيون إلى السلطة فهم يحتاجون إلى خمسين سنة ليعيدوا بناء ما دمروه في بلدهم.
الجيل الرابع والربيع العبري
المتأمل بما يجري في المنطقة العربية كلها منذ أن انطلق ما يسمونه (الربيع العَربي، ونسميه الربيع العِبري) هو تطبيق لهذه الحرب القذرة جداً والتي ما شهد التاريخ البشري أبشع وأقذر منها وذلك لما لها من تأثير في واقع البلاد عدا عن سياساتها وحكوماتها فهي تضرب النسيج الاجتماعي نفسه فلربما الأخ يقتل أخاه، والولد يذبح أمه -كما حدث في مدينة الرَّقة السورية- هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى ما للمجاميع الإرهابية الخارجية التي تدخل البلد من تأثير، لا سيما عندما شرَّعوا لهم ما تقشعرُّ له الأبدان لتسهيل إجرامهم وحياتهم في بلدان ليسوا منها وهم غرباء عن كل شيء فيها فلا اللغة ولا العادات ولا التقاليد، ولا حتى الأشكال والألوان فكلها صارت نشازاً، والأبشع هو أنه لا أحد يجرؤ على مخالفتهم فهم الأقوى والسلاح والأمر بأيديهم فراحوا يفرضون أنفسهم على المجتمعات المحافظة بالقوة والسلاح.
ويبقى الأدهى والأمرُّ هو هذه الأجيال التي نتجت عن تلك الأعمال والفتاوى الفاضحة كجهاد النكاح، وتحليل اللواط والسِّفاح، ويستحلون الفروج والأعراض والأموال بالتكبير ووضع اليد على المرأة فتكون لهم حلالاً، فهؤلاء الأولاد سيكونون كالجيش الإنكشاري في الدولة العثمانية المعروف في تاريخها الأسود، بل هؤلاء أبشع لأنهم يدرِّبونهم منذ الصِّغر على الذَّبح والقتل وسفك الدِّماء بأحدث وسائل القتل والإجرام والإرهاب حتى تفجير نفسه فمتى ستنتهي هذه الكوارث التي يخلِّفها الجيل الرابع من الحرب في البلدان التي ضربتها أمركا بها؟
الجيل الرابع كارثة إنسانية
ولذا على العقلاء -لا سيما في هذه الأمة- أن يدركوا أخطار هذه الحرب، وينادوا علماء وعقلاء العالم بأن يوقفوا هذه الجرائم المنظمة، والكوارث المرتبة التي تفتعلها الولايات المتحدة ضد الشعوب والأمم لتحقيق مصالحها حتى ولو أبادت شعوباً بأكملها فهي وساستها لا يطرف لهم جفن، ولا ترتجف لهم يد بل نجد رجل البيت الأسود البرتقالي يهدد جهاراً نهاراً “بأنه سيحرق الشرق الأوسط، أو أنه الجحيم”، فهل أصبحنا بهذا الضعف والذل والمهانة ونحن أمة ربع المعمورة وربما أكثر، وكل الخيرات التي يتبجَّح بها هو وإدارته من بلادنا وخيراتنا؟
ألا يكفيهم ما فعلوه من بداية القرن وحتى الآن من كوارث ومآسي مازالت ساخنة لم تبرد جراحنا لا سيما في العراق الجريح الذي عادت الإدارة الظالمة للجيل الرابع للحرب تدقُّ طبولها فيه، وكأنه إرثهم الذي ضاع منهم، وأن أهله عبيد آبقون عندهم، فيهددون ويتوعَّدون ويحاولون فرض أوامرهم كأسياد على كل المستويات، أو أن سيول الجيل الرابع من الحرب تنساب عليهم ويخرج عليهم الإرهابيون كالجراد المنتشر ليفعلوا ما يريدون ويحققوا الحلم التلمودي أو التوراتي بدمار بابل لأنهم يعيشون فوبيا (بابل) في التاريخ، وكأن بابل اليوم لا حامي لها ولا ناصر وآن أوان أخذ الثأر من (نبوخذ نصر) الأكادي الآن؟
أما آن للعرق أن يترجَّل؟
وهنا نقول: أما آن لهذا الفارس –العراق– أن يترجَّل، ويُترك لأهله ليبنوا دولتهم على أرضهم بأيديهم وكما يرغبون ويحبون هم لا غيرهم من القوى المؤثرة عالمياً؟ نعم؛ لكل دولة مصالح يسعى لتحقيقها ولكن ليكن ذلك بالطرق الدبلوماسية، والعقلانية، والمعاهدات، والاتفاقيات بعيداً عن الفرض والإكراه والقوة والعنتريات فالعراق أقدم حضارات التاريخ قامت على أرضه كما يقول وول ديورانت في قصة الحضارة، فليراجعوا بأنفسهم ما كتبه علماؤهم عن حضارة وادي الرافدين، وهم أصحاب أقدم وأعرق قوانين وحقوق إنسانية حيث كتبها حمورابي كما يعرف الجميع، وأما العراق العربي الإسلامي فهو عراق الإمام علي بن أبي طالب (ع) “أعدل حاكم عرفه التاريخ البشري” كما صنَّفته الأمم المتحدة منذ بداية هذا القرن (2001م).
…. يتبع…


