لحظة حاسمة في التاريخ الوطني
يمرّ العراق اليوم بمرحلة حساسة ومفصلية من تاريخه السياسي والسيادي، مرحلة لا تحتمل الرمادية ولا تقبل أنصاف المواقف. إنها لحظة اختبار حقيقي لإرادة الدولة، ولمدى قدرتها على حماية قرارها الوطني في مواجهة ضغوط خارجية متصاعدة، تتصدرها الولايات المتحدة الأمريكية التي لم تعد تخفي تدخلها السافر في الشأن العراقي، بل باتت تمارسه علنًا وبوقاحة سياسية غير مسبوقة.
التدخل الأمريكي في القرار العراقي: واقع مكشوف
إن ما تشهده الساحة العراقية اليوم لا يمكن توصيفه إلا على أنه تحدٍ واضح للسيادة الوطنية، ومحاولة مكشوفة لفرض الإرادة الأمريكية على القرار العراقي، سواء عبر التهديد بالمقاطعة السياسية والاقتصادية، أو من خلال استخدام أدوات الضغط المالي والعقوبات، وصولًا إلى التلويح بخيارات أخطر قد تتضمن تدخلًا أمنيًا أو عسكريًا تحت ذرائع متعددة.
الديمقراطية المزعومة مقابل المصالح الاستراتيجية
أمريكا التي تدّعي دعم الديمقراطية واحترام سيادة الدول، تُمارس في العراق نقيض كل تلك الشعارات. فهي تسعى إلى رسم مسار سياسي واقتصادي يخدم مصالحها الاستراتيجية فقط، دون أي اعتبار لإرادة الشعب العراقي أو لتضحياته التي قدّمها على مدى عقود من الحروب والحصار والإرهاب. إن فرض المقاطعة أو التهديد بها ليس سوى أداة ابتزاز سياسي تهدف إلى إخضاع العراق وإبقائه ضمن دائرة النفوذ والتبعية.
خيارات العراق السيادية: الاستقلال أم الخضوع؟
إن أخطر ما في هذه المرحلة ليس فقط حجم الضغوط، بل طبيعة الخيارات المطروحة أمام الدولة العراقية:
إما الاستمرار في نهج الاستقلال السياسي والاقتصادي، وتحمل كلفة الموقف الوطني،
أو الانزلاق إلى مربع التنازل والخضوع، وما يحمله ذلك من ذلّ سياسي وفقدان للقرار السيادي.
التبعات الاقتصادية للابتزاز السياسي
لا يخفى على أحد أن أي خضوع للإملاءات الأمريكية سيقود حتمًا إلى تبعات اقتصادية خطيرة، تبدأ بتقييد حركة العراق المالية، والتحكم بمصادر قوته الاقتصادية، وتوسيع دائرة الاعتماد القسري على الخارج، ما يضعف الدولة من الداخل ويجعلها رهينة للضغوط في كل مفصل سيادي مستقبلي.
التهديد العسكري: بوابة للأزمات والأمن الوطني
أن التهديد غير المباشر باستخدام القوة أو التصعيد العسكري، حتى وإن جاء بصيغة “الردع” أو “حماية المصالح”، يفتح الباب أمام سيناريوهات خطيرة تمس أمن العراق واستقراره، وتعيد إلى الأذهان تجارب مريرة دفع الشعب العراقي ثمنها دمًا ودمارًا.
إن هذه اللحظة التاريخية تتطلب موقفًا وطنيًا موحدًا، يتجاوز الخلافات السياسية الضيقة، ويضع مصلحة العراق العليا فوق كل اعتبار. فالدول لا تُبنى بالارتهان، ولا تُحفظ كرامتها بالمساومات، بل بالمواقف الصلبة والقرارات الشجاعة، مهما كانت كلفتها.
العراق دولة قرار لا دولة تابعة
العراق ليس دولة هامشية، ولا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية. إنه بلد يمتلك من الإمكانيات والموارد والطاقات البشرية ما يؤهله لأن يكون دولة قرار، لا دولة تابع. وما يحتاجه اليوم هو إرادة سياسية واضحة، وخطاب وطني صريح يضع حدًا للتدخلات، ويرسل رسالة قوية مفادها أن السيادة العراقية خط أحمر لا يقبل المساومة.
إن التاريخ لا يرحم المترددين، ولا يذكر إلا من اختار الكرامة طريقًا، مهما كان صعبًا. واليوم، يقف العراق أمام مفترق طرق:
إما أن يكمل مسيرته بكرامة دولة،
أو أن يُفرض عليه مسار التبعية بذلّ وخضوع.
والخيار، مهما حاول الآخرون مصادرته، يجب أن يبقى عراقيًا خالصًا..


