الشهيد الخامنئي والعراق.. مواقف لا تُنسى

تشييع الخامنئي في بلاد الرافدين ورسائل زلزال الغياب
يستعرض المقال علاقة الشهيد الخامنئي بالعراق، من حصار آمرلي وفتوى المرجعية ودعم بغداد، إلى ملف الغاز والكهرباء والاعتراف السياسي بعد عام 2003...

الشهيد الخامنئي والعراق

الشهيد الخامنئي والعراق عنوان علاقة لا تقاس بالخطابات وحدها. بل تقاس بالمواقف التي تظهر في اللحظات المفصلية.

فعندما تهدد الأخطار وجود الأوطان، تتضح حقيقة العلاقات. وعندما تواجه الشعوب مصيراً صعباً، يصبح الموقف أبلغ من الكلام.

ومن هذا المنطلق، لا يقتصر الحديث عن علاقة شهيدنا العزيز الإمام السيد علي الخامنئي بالعراق على السياسة. كما لا يقتصر على الدبلوماسية الرسمية.

بل يمتد إلى محطات مفصلية في تاريخ العراق الحديث. وقد تركت هذه المحطات أثراً واضحاً في أمنه واستقراره ومكانته.

العراق في خطاب الشهيد الخامنئي

شكّل العراق مكانة خاصة في خطاب شهيدنا الإمام الخامنئي. فقد حمل العراق ثقلاً دينياً وحضارياً وتاريخياً كبيراً.

ولم ينظر إليه الإمام بوصفه دولة مجاورة فقط. بل رآه ركناً أساسياً في معادلات المنطقة.

كما رآه موطناً للمرجعية الدينية الكبرى. ورآه أرضاً تحتضن مراقد أهل البيت عليهم السلام.

وفوق ذلك، رأى في شعب العراق شعباً قدّم تضحيات جساماً عبر التاريخ. ولهذا، حضر العراق في خطابه باحترام واضح ومكانة خاصة.

آمرلي ولحظة الخطر

تعد آمرلي من أبرز المحطات التي يستحضرها كثيرون في هذه العلاقة. ففي عام 2014، اجتاحت التنظيمات الإرهابية مساحات واسعة من العراق.

وبلغ الخطر أبواب بغداد. كما فرض الإرهاب حصاراً خانقاً على مدينة آمرلي.

في تلك الأيام، عاشت المدينة ظروفاً إنسانية بالغة الصعوبة. فقد انقطع عنها الماء والغذاء والدواء.

كما أصبحت المدينة مهددة بالسقوط. ولذلك تحولت آمرلي إلى عنوان مأساة وامتحان في وقت واحد.

استعجال فك الحصار

في تلك الأثناء، ناقش بعض القادة العسكريين تأجيل عملية فك الحصار. وقد أرادوا انتظار وصول مستلزمات لوجستية إضافية.

لكن الشهيد المعروف بـ“فارس كرمان”، الحاج قاسم سليماني، نقل موقفاً مختلفاً عن شهيدنا الإمام الخامنئي.

فقد قال إنه التقى الإمام قبل مجيئه. وسأله الإمام: “متى ستفكون الحصار عن نسائنا في آمرلي؟”

ثم أضاف: “أرجوكم أسرعوا وفكوا الحصار، دعونا نغمض أعيننا ونحن مرتاحون.”

كيف ينام الشيعي وآمرلي محاصرة؟

ثم علّق الحاج قاسم سليماني بكلمات بقيت حاضرة في الذاكرة. قال: “كيف يمكن للشيعي أن ينام بينما آمرلي محاصرة؟”

تعكس هذه الكلمات اهتماماً مباشراً بمعاناة المدنيين. كما تكشف استعجالاً واضحاً لإنهاء الحصار.

فلم يكن الموقف مجرد تقدير سياسي للمعركة. بل حمل بعداً إنسانياً وأخلاقياً واضحاً.

ومن هنا، يرى كثيرون أن آمرلي كشفت جانباً أساسياً من علاقة الشهيد الخامنئي بالعراق. إنها علاقة تظهر وقت الخطر، لا في زمن الراحة فقط.

بغداد وفتوى المرجعية

في العام نفسه، واجه العراق تحدياً أكبر. فقد تمدد تنظيم داعش نحو العاصمة بغداد.

وفي تلك المرحلة، برزت فتوى المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف. وقد تحولت إلى نقطة تحول كبرى.

عبّأت الفتوى العراقيين للدفاع عن بلدهم. كما أعادت الثقة إلى مجتمع كان يواجه تهديداً وجودياً.

وفي هذا السياق، يرى كثيرون أن الدعم الإيراني شكّل عاملاً مسانداً مهماً. فقد رافقه إرسال مستشارين وخبرات وإمكانات.

اجتماع الإرادة العراقية والدعم الإيراني

لخّص أحد المتحدثين تلك المرحلة بعبارة أصبحت متداولة. قال: “صمدت بغداد بفضل فتوى المرجعية العليا والسلاح الذي أرسله السيد الخامنئي.”

تعبر هذه العبارة عن رؤية واضحة. فهي ترى أن الإرادة العراقية اجتمعت مع الدعم الإيراني في لحظة حرجة.

وقد ساعد هذا الاجتماع، وفق هذه القراءة، في منع انهيار الدولة. كما منع تكرار مشاهد عرفها العراق سابقاً.

ومن هنا، لا يقرأ أنصار هذا الرأي الدعم الإيراني كعامل خارجي عابر. بل يرونه جزءاً من لحظة إنقاذ تاريخية.

الطاقة والكهرباء وموقف إنساني

لم تقتصر المواقف على الجانب الأمني والعسكري. بل امتدت إلى ملفات اقتصادية وخدمية تمس حياة المواطنين مباشرة.

فبعد تشديد العقوبات الأمريكية على إيران، واجه العراق أزمة معقدة. وكانت الأزمة ترتبط باستيراد الغاز الإيراني.

واحتاج العراق إلى هذا الغاز لتشغيل محطات الكهرباء. وفي الوقت نفسه، واجه قيوداً على تسديد المستحقات المالية.

وقد انعكس ذلك على ساعات تجهيز الكهرباء. وظهر الأثر بوضوح في المحافظات الجنوبية الحارة.

استمرار ضخ الغاز إلى العراق

تشير شهادات مسؤولين عراقيين وإيرانيين إلى موقف مهم. كما تشير بعض التقارير الإعلامية إلى المعنى نفسه.

فقد وجّه شهيدنا الإمام الخامنئي باستمرار ضخ الغاز إلى العراق. كما دعا إلى عدم إيقاف الإمدادات.

وتعامل هذا التوجيه بتساهل مع مسألة استلام المستحقات المالية. وقد جاء ذلك مراعاة لظروف الشعب العراقي.

ولذلك، يرى كثيرون أن هذا القرار حمل معنى إنسانياً قبل أن يحمل معنى اقتصادياً. فقد ساعد في الحد من أزمة الكهرباء داخل العراق.

العراق بعد 2003 وكسر العزلة

على الصعيد السياسي، عاش العراق بعد عام 2003 عزلة عربية واضحة. فقد امتنعت عدة دول عن الاعتراف الكامل بالنظام الجديد.

كما تعاملت دول أخرى معه بحذر أو رفض. وقد ارتبط ذلك بأسباب سياسية مختلفة.

وفي مقابل هذا الموقف، انفتحت إيران مبكراً على العراق الجديد. وقد جاء هذا الانفتاح بتوجيه من الإمام المعظم.

فكانت إيران من أوائل الدول التي اعترفت بالحكومة العراقية الجديدة. كما فتحت معها قنوات تعاون متعددة.

تثبيت الدولة العراقية

شمل هذا التعاون المجالات السياسية والاقتصادية والأمنية. ويرى أصحاب هذا الرأي أنه أسهم في تثبيت الدولة العراقية.

فقد جاءت هذه الخطوة في مرحلة صعبة. وكان العراق يواجه فيها تحديات داخلية وخارجية كبيرة.

كما يرى هؤلاء أن الانفتاح الإيراني ساعد في إحباط مشاريع خطيرة. فقد استهدفت بعض هذه المشاريع إضعاف العراق.

كما حاولت التأثير في سيادته وموقعه الإقليمي. ولذلك، يحمل هذا الموقف قيمة سياسية واضحة في ذاكرة أنصاره.

لغة احترام مختلفة

يشير كثيرون أيضاً إلى الخطاب الذي استخدمه شهيدنا الإمام الخامنئي تجاه العراق. فقد تحدث عنه بلغة احترام واضحة.

وأكد في مناسبات متعددة أن “تنامي قوة العراق ومكانته يبعث على سرور كبير.”

كما أشاد بتاريخ العراق وحضارته وعلمائه ومكانته الثقافية. وحرص على إظهار احترامه لهويته الوطنية والدينية.

وتبدو هذه اللغة، في نظر مؤيدي هذا الرأي، مختلفة عن خطابات أخرى صدرت في المنطقة. فقد حملت بعض الخطابات استخفافاً بالعراق ومكانته.

بين الاحترام والاستخفاف

يستحضر هؤلاء تهديد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2020. فقد هدد بـ“إعادة العراق إلى العصر الحجري.”

كما يستحضرون مواقف إعلامية وسياسية عربية مختلفة. وقد وصفوا بعض هذه المواقف بأنها حملت استخفافاً بالعراق.

ومن هنا، يضعون خطاب الإمام الخامنئي في مقابل تلك اللغة. فهو تحدث عن العراق بوصفه بلداً عزيزاً ومهماً.

كما تحدث عن قوته بوصفها مصدر سرور. وهذا الفارق في اللغة ترك أثراً واضحاً في الوعي الشعبي.

رسالة إلى شباب العراق

ومن المحطات اللافتة أيضاً رسالة شهيدنا الإمام الخامنئي إلى الشباب العراقي عام 2021. وقد خاطب فيها الشباب مباشرة.

قال في الرسالة:
“إلى شباب العراق الأعزاء، إنّني أحبّكم، وأدعو لكم، وأسأل الله تعالى لكم النجاح والفوز بالسعادة الدنيوية والأخروية، والثبات على الصراط المستقيم، وأبشّركم بمستقبل العراق المشرق، وإنّه رهن أيديكم وهممكم العالية.”

حملت هذه الرسالة مضموناً معنوياً وسياسياً في آن واحد. فقد ربطت مستقبل العراق بإرادة شبابه.

خطاب بلا إملاءات

خاطبت الرسالة الشباب بلغة محبة ودعاء. كما ابتعدت عن لغة الإملاءات أو الوصاية.

ومن هنا، يرى كثيرون أنها قدمت نموذجاً مختلفاً في الخطاب السياسي. فقد خاطبت العراقيين كشعب قادر على البناء.

كما حملت ثقة واضحة بمستقبل العراق. وربطت هذا المستقبل بهمّة أبنائه وشبابه.

ولهذا، بقيت هذه الرسالة حاضرة لدى شرائح واسعة. لأنها جمعت بين الاحترام والتشجيع والثقة.

علاقة شيعة العراق وإيران

في السياق نفسه، يطرح كثيرون الحديث عن علاقة شيعة العراق وإيران. فهي علاقة تاريخية تعود إلى قرون طويلة.

وقد تأسست هذه العلاقة على الروابط الدينية والعلمية والثقافية. ولم تبدأ كعلاقة سياسية فقط.

كما تعززت عبر التواصل المستمر بين الحوزات العلمية في النجف الأشرف وقم. وتحرك العلماء والطلبة والزائرون بين البلدين لعقود طويلة.

ومن هنا، لا يستطيع أي تحليل جاد أن يختزل هذه العلاقة في السياسة وحدها.

محاولات الإضعاف ووحدة المصير

كانت هذه العلاقة هدفاً لمحاولات متعددة. فقد سعت أطراف كثيرة إلى إضعافها أو قطعها.

وقد ظهر ذلك خصوصاً خلال الأزمات الأمنية والسياسية التي شهدها العراق. ومع ذلك، بقيت العلاقة قائمة.

ويرى أصحاب هذا التصور أن عمقها الاجتماعي والديني حفظها. كما حفظتها فكرة وحدة المصير أمام التحديات المشتركة.

ولذلك، يقرأ هؤلاء مواقف الإمام الخامنئي تجاه العراق داخل هذا السياق الأوسع. فهو سياق تاريخي، لا ظرف سياسي عابر.

العراق لم يكن وحيداً

أثبتت السنوات الماضية، وفق هذه القراءة، أن العراق لم يكن وحيداً. فقد واجه أخطر تهديد في تاريخه الحديث.

وفي تلك اللحظة، اجتمعت فتوى المرجعية الدينية في النجف مع الدعم الإيراني المباشر. وقد مثّل شهيدنا العزيز السيد الخامنئي هذا الدعم في الوعي العام.

وساعد هذا الاجتماع على تغيير موازين القوى. كما ساعد في منع انهيار الدولة العراقية.

ومن هنا، يرى مؤيدو هذا الرأي أن العراق وجد سنداً حقيقياً في لحظة خطر وجودي.

علاقة لا تقوم على المصالح الضيقة

بناءً على ذلك، لا تبدو علاقة شهيدنا الإمام الخامنئي بالعراق علاقة مصالح آنية فقط. كما لا تبدو حسابات سياسية ضيقة.

بل يرى أنصاره أنها قامت على دعم العراق في اللحظات الحرجة. وقد ظهر هذا الدعم في مواجهة الإرهاب.

كما ظهر في ملفات الطاقة. وظهر أيضاً في الدفاع عن سيادة العراق وتعزيز مكانته الإقليمية.

ولذلك، تدخل هذه المواقف في سجل طويل من التفاعل بين العراق والجمهورية الإسلامية الإيرانية.

استقرار العراق واستقرار المنطقة

تستند هذه القراءة إلى قناعة أساسية. وهي أن استقرار العراق يمثل ركيزة أساسية لاستقرار المنطقة بأسرها.

ولهذا، لا يأتي استذكار هذه المحطات كاستعراض لأحداث تاريخية فقط. بل يأتي لفهم طبيعة العلاقات التي تشكلت في سنوات الأزمات.

فقد أسهمت تلك المواقف في رسم ملامح مرحلة جديدة من تاريخ العراق. كما عززت التعاون والدفاع المشترك وأمن المنطقة.

ومن هنا، تبقى هذه المحطات جزءاً من ذاكرة سياسية واجتماعية لا يمكن تجاهلها.

خاتمة: مواقف لا تُنسى

في المحصلة، تكشف علاقة الشهيد الخامنئي بالعراق عن سلسلة مواقف لا تُنسى. فقد حضرت هذه المواقف في الأمن والسياسة والطاقة والخطاب.

كما حضرت في لحظات الخطر، عندما احتاج العراق إلى سند سريع وواضح.

ومن آمرلي إلى بغداد، ومن الغاز والكهرباء إلى الاعتراف السياسي، تتشكل صورة علاقة خاصة. وهي علاقة يراها مؤيدوها قائمة على الوفاء والدعم والمصير المشترك.

ولذلك، لا يستعيد الناس هذه المحطات بوصفها ذكريات عابرة. بل يستعيدونها لفهم معنى الموقف حين تصبح الأوطان أمام امتحان التاريخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *