العالم يغادر المحطة الأمريكية: أوروبا تكسر هيمنة ترامب بلغة القوة الاقتصادية

العالم يغادر المحطة الأمريكية أوروبا تكسر هيمنة ترامب بلغة القوة الاقتصادية
التقارب الأوروبي–الهندي في نيودلهي يمثل تحوّلاً جيوسياسياً يقلّص الهيمنة الأمريكية عبر توسيع التجارة والتعاون الأمني والتكنولوجي، متزامناً مع ابتعاد عالمي عن الدولار وتصاعد دور الصين والذهب في النظام المالي الدولي....

في لحظة تاريخية تشهد ذروة احتراق النظام العالمي القديم وقّعت القارة العجوز مع الهند في نيودلهي اتفاقية هي بمثابة زلزال جيوسياسي تُجرد من خلاله أوروبا ترامب من سلاح الهيمنة التقليدي. فهذه ليست مجرد صفقة تجارية عابرة بل هي إعلان صريح عن ميلاد عالم جديد يُعاد ترتيبه بعيداً عن الوصاية الأمريكية. الاتفاق ثمرة عشرين عاماً من المفاوضات ينشئ منطقة تجارة حرة لنحو ملياري إنسان ويمهد عملياً لعالم بلا قطب أمريكي مهيمن من خلال إلغاء الرسوم الجمركية على 90% من السلع ومضاعفة الصادرات الأوروبية إلى الهند وخفض رسوم السيارات والنبيذ الأوروبي بشكل حاد.

لكن الضربة الأكثر قسوة وهي اللغة التي يفهمها ترامب حقاً تتجاوز التجارة إلى صميم الأمن القومي والاستقلال الاستراتيجي. فالاتفاق يشمل تعاوناً أمنياً بحرياً وسيبرانياً ومكافحة للإرهاب في خطوة تهدف بشكل واضح إلى تقليص الاعتماد الأوروبي الخطير على البنية الرقمية الأمريكية التي تجعل الأمن القومي الأوروبي مكشوفاً لواشنطن بينما تحصد شركاتها مئات المليارات دولار سنوياً من المستهلك الأوروبي. كما تفتح الباب للتطوير المشترك للتكنولوجيا العسكرية مما يعني بناء تحالفات دفاعية مصممة للعمل دون الولايات المتحدة.

هذا التقارب ليس حدثاً معزولاً بل هو حلقة في سلسلة الرد المدوي على سياسات ترامب القائمة على الابتزاز بالرسوم والتهديد العسكري وفرض الهيمنة. بينما يهدد ترامب بخطف وقتل قادة الدول ينهار أساس القوة الأمريكية . فقد تحولت مقاطعة السياحة الأمريكية والمظاهرات العالمية المناهضة له من هاشتاقات إلى واقع ملموس يضر الاقتصاد . وزير المالية الألماني وجه تحذيراً صريحاً لواشنطن بأن تجاوز الخطوط الحمراء سيواجه برد أوروبي .

الأهم أن الرد الأوروبي-الهندي جاء مترافقاً مع الضربة القاضية القادمة من الصين التي زارها رئيس الوزراء البريطاني ستارمر برفقة 50 من كبار رجال الأعمال بحثاً عن تجارة بلا دولار. المشهد الجديد هو انسحاب جماعي من فوضي ترامب حيث تبيع الصين والبرازيل والهند سندات الخزانة الأمريكية وتتجه البنوك المركزية بما فيها الأوروبية لشراء الذهب الذي تجاوز قيمته سندات الخزانة الأجنبية لأول مرة منذ عقدين.

اتفاق نيودلهي الذي هاجمه وزير الخزانة الأمريكي لأنه يربط أوروبا ببلد يشتري النفط الروسي هو إثبات عملي أن العالم اكتشف أنه يستطيع العمل دون أمريكا. بريطانيا الحليف التاريخي وكندا وكوريا الجنوبية وفنلندا، جميعهم يبحثون عن الاستقرار والتحرر من الهيمنة في عواصم أخرى. ترامب الذي يحاول افتعال صدام خارجي مع إيران يجد نفسه يعجل بشهادة وفاة السياسة التي يقودها. نيودلهي ثم بكين لم تكونا محطتين عابرتين بل مركزين لكسْر قواعد الهيمنه .أمريكا تقف على حافة الهاوية وعليها أن تنقذ نفسها من حماقة ترامب أو تتركه يقودها إلى نهايتها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *