كيف تهدد طموحات أمريكا في غرينلاند الوجود الأوروبي وتدفع نحو الاستقلال الاستراتيجي

كيف تهدد طموحات أمريكا في غرينلاند الوجود الأوروبي وتدفع نحو الاستقلال الاستراتيجي
يرى التحليل أن أزمة غرينلاند والتصعيد الأمريكي شكّلا اختبارًا وجوديًا لأوروبا، دفعها إلى توحيد الموقف وتسريع الاستقلال الاستراتيجي دفاعيًا واقتصاديًا، بما يحوّل الاتحاد من تابع أمني إلى فاعل جيوسياسي أكثر قوة واستقلالية....

المقدمه :

لم يعد الخطر الوجودي على المشروع الأوروبي مجرد فرضية نظرية بل تحول إلى تهديد ملموس يأتي من الحليف التقليدي نفسه. فمع تصاعد التصريحات الأمريكية التي تلمح لاستخدام الطريقة الصعبة لضمّ جزيرة غرينلاند التابعة للدنمارك وفرض رسوم جمركية عقابية على ثماني دول أوروبية تجد القارة العجوز نفسها في مواجهة مباشرة مع واشنطن هذا التصعيد الذي وصفه قادة أوروبيون بأنه غير مقبول وخطأ تمامًا يمثل اختباراً وجودياً لوحدة الاتحاد الأوروبي وتماسك حلف الناتو. الأكثر خطورة هو كشفه عن حقيقة مفادها أن الضامن التاريخي لأمن أوروبا تحوّل إلى مصدر التهديد الأساسي حيث حذّر مسؤولون أمريكيون أنفسهم من أن أي غزو عسكري لغرينلاند سيعني حرفياً الدخول في حرب مع الناتو نفسه وقد يقضي على الحلف كما نعرفه وهو تحذير أيده مستشارون سابقون لترامب مشيرين إلى أن غزو دولة عضو في الناتو سيكون تجاوزاً للحدود . في هذا السياق يبدو التحالف الافتراضي مع روسيا رغم كل تعقيداته مجرد خيال يستحضر لفضح مأزق التبعية الحالي لكن الاستجابة الأوروبية الفعلية تتخذ مساراً مختلفاً تماماً يرسمه القادة الأوروبيون أنفسهم.

*الرد الأوروبي الموحد وصرخة الاستقلال:

واجهت أوروبا هذا التحدي بموقف موحد وحازم تجلى في إعلان تضامن قادة فرنسا وألمانيا وبريطانيا ودول أخرى كبرى مع الدنمارك والتأكيد على حق غرينلاند في تقرير مصيرها. لم يقتصر الرد على البيانات الدبلوماسية بل شمل إرسال قوات أوروبية للمشاركة في مناورات عسكرية في المنطقة والإعداد لاستخدام أدوات اقتصادية قوية للرد على الرسوم الأمريكية مثل آلية مكافحة الإكراه التابعة للاتحاد الأوروبي والتي تسمح بتقييد وصول الولايات المتحدة إلى السوق الموحدة. الأهم من ذلك أن الأزمة حولت خطاباً استراتيجياً كان يدور في الخلفية إلى سياسة علنية ورسمية. فقد أعلنت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن (زمن الأوهام قد انتهى )وأطلقت خطة طموحة بقيمة 800 مليار يورو تحت اسم (إعادة تسلح أوروبا )تهدف صراحةً إلى تقليل الاعتماد على الموردين الأمريكيين وتعزيز الصناعة الدفاعية الأوروبية.

*القيادة الألمانية: رفض الوصاية الأمريكية والدعوة للاعتماد على الذات:

في قلب هذا التحول يقف الموقف الألماني بقيادة المستشار فريدريش ميرتس الذي عبر عن جوهر الإحباط والتصميم الأوروبي. فبعد أن وصَفَ أجزاء من الاستراتيجية الأمنية الأمريكية بأنها  غير مقبولة من وجهة النظر الأوروبية رد ميرتس بوضوح على فكرة أن الولايات المتحدة جاءت “لإنقاذ الديمقراطية في أوروبا قائلاً: (لا أرى أي حاجة لذلك. إذا كان لا بد من إنقاذها فسنقوم بذلك وحدنا ).

هذا التصريح ليس مجرد دفاع عن الكرامة بل هو إعلان عن نية استراتيجية وقد أكد ميرتس أن التصرفات الأمريكية تؤكد تقييمي بأننا في أوروبا وبالتالي في ألمانيا أيضاً يجب أن نصبح أكثر استقلالية عن الولايات المتحدة في سياسة الأمن .كما أظهرت براغماتية برلين في التهديد بالرد على الرسوم الجمركية الأمريكية غير المنطقية أن أوروبا الجديدة لن تكون طرفاً ضعيفاً في المفاوضات.

الخاتمة :

ميلاد قوة عظمى جديدة؟

أزمة غرينلاند إذن ليست مجرد نزاع على جزيرة نائية بل هي القطرة التي أفاضت الكأس وأجبرت أوروبا على النظر في المرآة. لقد كشفت أن الاعتماد الكامل على الحماية الأمريكية هو ورقة رابحة في يد واشنطن قد تستخدمها للابتزاز السياسي والاقتصادي. الرد لم يكن تحالفاً مع الشرق بل كان استدعاءً لإرادة الذات. من خلال توحيد الصفوف وتسريع التكامل الدفاعي والاستعداد لخوض معارك تجارية تتحول أوروبا قسراً إلى فاعل جيوسياسي أكثر وحدة وقوة واستقلالية. المسار نحو  أوروبا القلعة محفوف بالتحديات خاصة في التوفيق بين المصالح الوطنية المختلفة لكن الصدمة الأمريكية قد تكون الدافع التاريخي الذي كان ينقصها لتحويل الاتحاد الاقتصادي إلى قوة عسكرية وسياسية قادرة على الدفاع عن سيادتها ومصالحها في عالم تسوده الأقطاب المتصارعة. مستقبل التحالف عبر الأطلسي لم يعد أمراً مفروغاً منه ومستقبل أوروبا ككيان مستقر قد يعتمد على مدى نجاحها في هذا التحول الصعب والضروري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *