المقدمة:
في الأيام الأخيرة شهدت شمال وشرق سوريا تطورات عسكرية دراماتيكية تمثلت في انهيار سريع لقوات قسد المدعومة أمريكياً أمام هجمات الجيش السوري في مناطق مثل إدلب والريف الغربي وانسحابها نحو معاقلها في الحسكة والمناطق الحدودية مع العراق. هذا الانهيار لم يكن مجرد تذبذب في خطوط القتال بل يشير إلى تحول جيوستراتيجي عميق تكشفت خلاله حقيقة التحالفات الأمريكية الهشة وظهرت مخاطر مروعة تتمثل في انفراط عقد سجون داعش ليكون العراق في مرمى العاصفة القادمة .
*أسباب الانهيار السريع لـ “قسد”.. هل هو تواطؤ أمريكي؟
١. التفوق العسكري لقوات الجولاني:
تمتلك جبهة النصرة نواة الجيش السوري خبرة قتالية عالية في حرب المدن والكر والفر مدعومة بعقيدة أيديولوجية متطرفة مقابل اعتماد قسد على الدعم الأمريكي الذي ظهر متقاعساً في هذه الجولات بل معدوما وغير موجود نهائيا كما بدا ذلك واضحا مؤخرا للجميع .
٢. الضعف البنيوي لقوات قسد:
تعاني قسد من ضعف في الولاء القومي للأكراد خارج مناطقهم واعتمادها على عناصر عربية (قوات الصناديد) ذات ولاءات متغيرة. كما أن تركيبتها العسكرية مصممة لمحاربة داعش أكثر منها لمواجهة الجيش السوري وقوات جبهة النصره .
٣. الفرضية الأكثر خطورة:
التواطؤ الأمريكي الممنهج تشير القراءة السياسية إلى أن واشنطن ربما سمحت بهذا الانهيار أو لم تبذل جهداً حقيقياً لصد الهجوم لأسباب استراتيجية تمثلت فيما يلي :
اولا . التخلي سنة امريكية :
تاريخ واشنطن حافل بالتخلي عن حلفائها عندما لم تعد لهم فائدة (الأكراد في 1975 و2019، وحلفائها في أفغانستان 2021).
ثانيا . قسد كانت أداة لضرب داعش وإضعاف النظام السوري وقد تكون قد أدت دورها في الرؤية الأمريكية الحالية.
ثالثا .إشغال الخصوم بمشاكل جديدة:
قد ترى الإدارة الأمريكية أن إطلاق قوى التطرف من عقالها مجدداً في سوريا سيصبح تهديداً مباشراً لإيران وحلفائها في العراق مما يستنزف طاقاتهم ويشتت انتباههم.
رابعا· الضغط على أطراف التفاوض: استخدام هذا السيناريو كورقة ضغط لإجبار الأطراف الإقليمية (تركيا، النظام السوري، وحتى روسيا) على التفاوض مع واشنطن بشروطها.
*الكارثة المتفاقمة: فتح أبواب الجحيم -سجون داعش.
مع تراجع قسد أصبح مصير السجون التي تحوي آلاف العناصر المتطرفين من داعش وأسرهم (مثل سجن الهول في الحسكة وسجن الاقطان في الرقه ) في مهب الريح. أي عملية انسحاب فوضوية أو سقوط هذه السجون يعني:
١-إطلاق سراح آلاف (المقاتلين القنابل )ذوي الخبرة العسكرية والأيديولوجية المتطرفة.
٢· عودة التنظيم لتشكيل خلايا نائمة ونواة للعمل مجدداً في المنطقة مع توجه قسم كبير منهم ربما للتسلل نحو العراق .
٣· تحول الحدود السورية العراقية إلى منطقة عابرة لقوى التطرف والارهاب من جديد.
* العراق على خط النار: تداعيات كارثية وإجراءات واجبة عاجلاً.
العراق هو الهدف الأكبر والأكثر عرضة للخطر والتداعيات قد تكون وجودية وذلك للأسباب التالية:
١. فراغ السلطة: عدم تشكيل الحكومة واختيار رئيس وزراء حتى اللحظة يعني غياب القيادة الموحدة وصنع القرار الاستراتيجي السريع .
٢. الحدود الطويلة والمسامية: الحدود مع سوريا (خاصة في محافظتي الأنبار ونينوى) شاسعة وصعبة المراقبة بالكامل. الاعتماد على (تأمين الحدود)فقط هو وهم قاتل فالتسلل حتمي.
*. ضرورة الانتقال من الدفاع الحدودي إلى الاستراتيجية الدفاعية العميقة:
١ · تأسيس خطوط دفاع حصينة في العمق: لا يكفي نشر القوات على الحدود. يجب إنشاء خطوط دفاعية متعددة داخل المحافظات الحدودية (الأنبار، نينوى، صلاح الدين) مع نقاط مراقبة وتحصينات متقدمة.
٢· مسك “العقد المهمة”: السيطرة الاستباقية على المناطق الحيوية والمرتفعات الاستراتيجية والممرات الطبيعية القريبة من المدن الرئيسية (مثل مناطق غرب الرمادي، غرب سامراء، شمال تكريت) التي تشكل بوابات الغرب للعراق. هذا يحول دون وصول أي تهديد إلى قلب المدن ويعطي الجيش عمقاً استراتيجياً للردع والمواجهة.
٣ · التنسيق الاستخباراتي المكثف: مع الجهات الفاعلة في سوريا (حكومة الجولاني نفسها) وتركيا والأردن، لتبادل المعلومات عن تحركات العناصر المتطرفة.
* القراءة الاستراتيجية الكبرى: هل العراق و إيران في مرمى الخطة؟
هنا تكمن الخطورة القصوى. المشهد الإقليمي يشير إلى:
١·ضعف الدعم الايراني :
إيران تعاني من أزمات داخلية (احتجاجات، أزمات اقتصادية) وعسكرية بعد حرب الـ12 يوماً مع إسرائيل والتي كشفت عن حدود قدراتها الردعية. هي اليوم في موقف أضعف من أي وقت مضى لتقديم الدعم اللوجستي والعسكري الواسع لحلفائها في العراق كما في السابق.
٢· فرضية الإشغال والاستنزاف:
قد يكون المخطط الأمريكي-الإسرائيلي المطروح هو إشعال حرب استنزاف جديدة للعراق عبر إطلاق عناصر داعش والقوات المتطرفه في سوريا للاهداف التاليه .
اولا . إشغال القوات العراقية والحشد الشعبي في معارك وجودية في الصحراء الغربية مما يستنزف طاقاتهم ويصرف انتباههم.
ثانيا . منع العراق من أن يكون قاعدة خلفية أو معبراً لدعم إيران في حالة أي مواجهة عسكرية قادمة محتملة معها.
ثالثا . إعادة العراق إلى مربع الفوضى الأمنية لدفعه لقبول شروط سياسية وأمنية أمريكية جديدة.
الخاتمة :
ما يحدث في سوريا ليس هزيمة عسكرية محلية بل هو افتتاح لفصل جديد دموي وخطير في المنطقة. الولايات المتحدة تعمل دائماً من منطلق مصلحتها الضيقة والتضحية بحلفاء الأمس هي قاعدة في سياستها.
العراق اليوم أمام امتحان مصيري إما أن يستفيق من غفوته السياسية ويوحد صفوفه ويترك خلاقاته ويتبنى استراتيجية دفاع عميق ذكية وفاعلة أو يكون الهدف السهل في العاصفة الإقليمية القادمة.
الوقت ليس في صالح العراق وكل يوم يمر دون حكومة وقرار سيادي موحد هو هدية مجانية للأعداء والمخططات الخطيرة.


