المعركة الختامية.. الشرق الأوسط على حافة إعادة تشكيل النظام العالمي

المعركة الختامية.. الشرق الأوسط على حافة إعادة تشكيل النظام العالمي
تتصاعد مخاطر التحولات الدولية مع ترابط أزمات الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، حيث تتقاطع حسابات القوى الكبرى والإقليمية. ويبرز التحدي في منع تحول الأزمات المنفصلة إلى مواجهة متعددة الجبهات تهدد استقرار النظام العالمي...

ماذا لو استيقظ العالم غداً على خبر غرق حاملة طائرات أمريكية في الخليج؟ أو على استهداف منشآت نووية إيرانية وتحول المنطقة إلى واحدة من أخطر الكوارث الإشعاعية في التاريخ الحديث؟

قد تبدو هذه السيناريوهات للوهلة الأولى مبالغاً فيها، لكنها تعكس مستوى المخاطر التي وصلت إليها المنطقة.

نحن لم نعد أمام أزمة إقليمية عابرة، ولا أمام مجرد تبادل للتهديدات والرسائل السياسية. ما يجري اليوم هو صراع متشابك على النفوذ والطاقة والممرات البحرية ومستقبل التحالفات، وقد يتحول في لحظة واحدة إلى مواجهة تعيد رسم خريطة الشرق الأوسط، وربما تؤثر في شكل النظام الدولي نفسه.

أمريكا.. ترامب أمام اختبار سياسي واقتصادي قبل الانتخابات النصفية

أخطر ما تواجهه واشنطن ليس فقط اتساع الملفات الخارجية، وإنما انتقال كلفة هذه الملفات إلى الداخل الأمريكي.

الرئيس دونالد ترامب يدخل المرحلة السابقة للانتخابات النصفية وهو أمام اختبار سياسي صعب. فوعود القوة والحسم والصفقات الكبرى تصطدم بواقع أكثر تعقيداً: أزمات خارجية لم تُحسم، وضغوط اقتصادية، وارتفاع كلفة المعيشة، وتزايد القلق لدى المواطن الأمريكي بشأن الأسعار والدخل والقدرة الشرائية.

وتشير استطلاعات حديثة إلى تراجع تقييم ترامب، فيما أصبحت قضية التضخم وكلفة المعيشة من أهم الملفات التي تحكم المزاج الانتخابي الأمريكي.

وهنا تكمن المعضلة:

ترامب يحتاج إلى إنجاز سياسي كبير قبل الانتخابات النصفية، لكنه في الوقت نفسه لا يستطيع تحمل حرب طويلة تستنزف الخزانة الأمريكية وتدفع أسعار الطاقة إلى مستويات أعلى، فتتحول الحرب الخارجية إلى أزمة معيشية داخل الولايات المتحدة.

فالناخب الأمريكي لا يهتم فقط بما يحدث في طهران أو القدس أو كييف؛ بل يسأل سؤالاً أبسط:

كم أصبحت فاتورة الوقود؟ وكم ارتفعت أسعار الغذاء والسكن والتأمين؟ وهل أصبحت حياته أفضل أم أكثر كلفة؟

ومن هنا قد يصبح الشرق الأوسط عاملاً مباشراً في تحديد مستقبل الحزب الجمهوري داخل الكونغرس.

ترامب أمام معادلة شديدة التعقيد: إما أن يحقق تسوية تمنحه انتصاراً سياسياً قبل الانتخابات، أو يدخل في مواجهة أوسع قد تمنحه صورة القوة مؤقتاً، لكنها تحمل مخاطر اقتصادية وسياسية كبيرة على الداخل الأمريكي.

نتنياهو.. الحرب لم تعد تكفي لإنقاذ الوضع السياسي

أما بنيامين نتنياهو، فيواجه مأزقاً مختلفاً.

المشكلة لم تعد مرتبطة فقط بالحرب ونتائجها، بل بمستقبله السياسي نفسه.

الائتلاف الحاكم يعاني من ضغوط وانقسامات، والمعارضة توسعت، والاستطلاعات الأخيرة أظهرت تراجعاً واضحاً في قوة ائتلاف نتنياهو مقارنة بالمعسكر المنافس.

وبالتالي فإن أي حرب جديدة قد تحمل لنتنياهو مخاطرة مزدوجة:

إذا لم تحقق نتائج واضحة، ستتحول إلى عبء سياسي جديد عليه.

وإذا توسعت إلى مواجهة مع تركيا أو سوريا أو جبهات أخرى، فقد يجد نفسه أمام حرب أكبر من قدرته على التحكم بمسارها.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي:

هل يسعى نتنياهو إلى توسيع دائرة الصراع لحماية إسرائيل، أم أن اتساع الصراع قد يتحول إلى محاولة أخيرة لحماية مستقبله السياسي؟

هذه النقطة تحديداً تجعل الملف السوري أكثر خطورة.

تركيا وإسرائيل.. سوريا تتحول إلى ساحة الصدام الأخطر

سوريا لم تعد مجرد ساحة داخلية أو ملفاً سورياً خالصاً.

إنها أصبحت نقطة تقاطع بين مشاريع متعارضة.

تركيا تريد تثبيت نفوذها ومنع قيام ترتيبات كردية تهدد أمنها، وتسعى إلى بناء نفوذ طويل الأمد داخل سوريا.

إسرائيل تريد منع أي قوة إقليمية من بناء تمركز عسكري يهدد أمنها، وتسعى إلى إبقاء الجنوب السوري ومنطقة الجولان ضمن نطاق أمني تتحكم بمعادلاته.

أما سوريا نفسها، فهي تحاول إعادة بناء مؤسسات الدولة والجيش في بيئة مليئة بالتدخلات والتوازنات الدولية.

وهنا بدأت المصالح التركية والإسرائيلية تتصادم بصورة أكثر وضوحاً.

التطورات الأخيرة، ومنها الضربات الإسرائيلية على مواقع سورية والتحذيرات المتبادلة بين أنقرة وتل أبيب، تكشف أن الساحة السورية قد تتحول من منطقة نفوذ غير مباشر إلى ساحة مواجهة مباشرة بين مشروعين إقليميين.

وهذا هو السيناريو الأخطر.

فإذا دخلت تركيا بثقل عسكري أكبر إلى سوريا، فقد تعتبر إسرائيل ذلك تغييراً جوهرياً في ميزان القوى.

وإذا واصلت إسرائيل ضرب المواقع التي ترى أنها تهدد أمنها، فقد تجد أنقرة نفسها مضطرة إلى الرد سياسياً أو عسكرياً.

عندها لن تكون سوريا مجرد «ساحة خلفية»، بل قد تصبح نقطة اشتباك بين عضو في الناتو وقوة إقليمية ذات ثقل عسكري كبير.

وهذا النوع من الصراع يمكن أن يجر أطرافاً أخرى إلى المواجهة، سواء بصورة مباشرة أو عبر الوكلاء.

الخليج وباب المندب.. الحرب التي لا تحتاج إلى احتلال المدن

هناك جبهة أخرى أكثر خطورة: الممرات البحرية.

مضيق هرمز وباب المندب والبحر الأحمر ليست مجرد خطوط على الخريطة.

إنها شرايين الاقتصاد العالمي.

أي اضطراب طويل فيها يرفع كلفة الطاقة والنقل والتأمين ويعيد تشكيل حركة التجارة العالمية.

ولهذا فإن الحرب المقبلة، إن وقعت، قد لا تحتاج إلى احتلال عواصم.

يكفي تعطيل الممرات الحيوية حتى تتحول المعركة إلى أزمة اقتصادية عالمية.

روسيا.. الضغط على أوروبا من أكثر من اتجاه

وفي الخلفية تقف روسيا.

موسكو لا تحتاج بالضرورة إلى مواجهة أوروبا بحرب شاملة حتى تستنزفها.

الضغط يمكن أن يأتي عبر الطاقة، والحدود، والهجمات السيبرانية، والحرب الهجينة، والضغط العسكري على الجناح الشرقي لحلف الناتو، واستمرار استنزاف الموارد الأوروبية عبر الأزمة الأوكرانية.

وهنا تظهر الصورة الأوسع:

إذا استمرت الحرب الأوكرانية، واستمرت أوروبا في زيادة إنفاقها الدفاعي، وارتفعت أسعار الطاقة، وتزايدت الهجمات الهجينة، فإن أوروبا قد تدخل في استنزاف طويل الأمد.

وهذا ما يجعل التحرك الروسي، من منظور استراتيجي، جزءاً من معركة أوسع على مستقبل القارة الأوروبية، وليس مجرد صراع على الأراضي الأوكرانية.

الصين.. تايوان هي ساعة الصفر المحتملة

وفي أقصى الشرق، تراقب الصين المشهد.

بكين لا تحتاج إلى الدخول في حرب غداً.

الصين تستطيع الانتظار.

تراقب واشنطن وهي موزعة بين الشرق الأوسط وأوروبا، وتراقب روسيا وهي تستنزف الموارد الأوروبية، وتراقب اليابان وكوريا الجنوبية وأستراليا وهي تعيد حساباتها العسكرية.

وفي المقابل، تواصل الصين الضغط حول تايوان والمياه والجزر المحيطة بها، وتختبر بصورة مستمرة ردود الفعل الأمريكية والإقليمية.

وهنا يصبح السؤال:

هل تكون تايوان هي الجبهة التي تنتظر «ساعة الصفر» عندما ترى بكين أن الولايات المتحدة أصبحت منشغلة بأكثر من جبهة، وأن أوروبا مستنزفة، وأن ميزان القوة في المحيط الهادئ أصبح أكثر ملاءمة لها؟

لا يعني ذلك أن الحرب حتمية، لكنه يوضح لماذا أصبحت تايوان واحدة من أهم نقاط الاختبار في الصراع على النظام العالمي.

الصورة الكبرى

إذا جمعنا المشهد كله، تظهر أمامنا لوحة واحدة:

أمريكا تواجه ضغطاً سياسياً واقتصادياً قبل انتخابات التجديد النصفي.

إسرائيل تواجه أزمة سياسية داخلية ومستقبلاً انتخابياً محفوفاً بالمخاطر.

تركيا تتحرك لتثبيت نفوذها في سوريا، بينما ترى إسرائيل في ذلك تحدياً مباشراً.

سوريا تتحول إلى نقطة تقاطع بين المشاريع الإقليمية.

روسيا تضغط على أوروبا وتستنزف مواردها وقدرتها على التحمل.

والصين تراقب تايوان والمحيط الهادئ وتنتظر اللحظة التي قد يصبح فيها ميزان القوة أكثر ملاءمة لها.

أما العراق، فهو يقف في قلب هذه الجغرافيا.

ولهذا فإن أخطر خطأ يمكن أن ترتكبه بغداد هو التعامل مع المرحلة بمنطق ردود الفعل.

العراق يحتاج إلى دبلوماسية احترافية، وخطاب رسمي موحد، وحساب دقيق للمصالح، ومنع تحويل أراضيه وأجوائه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى والإقليمية.

لأن المعركة القادمة، إذا اندلعت، لن تكون حرباً واحدة.

قد تكون عدة حروب متزامنة مرتبطة ببعضها: الخليج، البحر الأحمر، سوريا، أوكرانيا، أوروبا، وتايوان.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي.

ليس السؤال: من سينتصر في الحرب؟

بل السؤال الأخطر:

هل يستطيع العالم منع هذه الجبهات من الارتباط ببعضها قبل أن تتحول الأزمات المنفصلة إلى حرب عالمية متعددة المسارح ؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *