مقدمة
لم تعد التحولات الجارية في أسواق الطاقة العالمية تدور فقط حول استبدال الوقود الأحفوري بمصادر متجددة، بل حول إعادة بناء منظومة الطاقة نفسها. فالتوسع السريع في الطاقة الشمسية والرياح خلق مشكلة جديدة تتمثل في كيفية تخزين كميات كبيرة من الكهرباء المتجددة، ونقلها بين الدول والمناطق، واستخدامها في قطاعات صناعية يصعب تشغيلها بالكهرباء المباشرة. في هذا السياق برز الهيدروجين الأخضر باعتباره أحد أهم الروابط المحتملة بين الكهرباء المتجددة والصناعة الثقيلة والتجارة الدولية للطاقة.
وتنبع أهمية الهيدروجين من كونه حاملاً للطاقة يمكن إنتاجه باستخدام الكهرباء المتجددة والماء، ثم تخزينه أو تحويله إلى مشتقات مثل الأمونيا والميثانول والوقود الاصطناعي. وبذلك يمكن تحويل الكهرباء الشمسية أو طاقة الرياح، وهي موارد مرتبطة بالمكان والزمان، إلى مادة قابلة للتخزين والاستخدام الصناعي والتداول التجاري.
لكن الهيدروجين الأخضر ليس بديلاً شاملاً للنفط والغاز ولا حلاً سحرياً لمشكلة الطاقة. قيمته الحقيقية تظهر في القطاعات التي يصعب إزالة الكربون منها بالاعتماد على الكهرباء المباشرة وحدها، مثل صناعة الحديد والصلب والأسمدة والتكرير والنقل البحري وبعض أشكال النقل الثقيل، إضافة إلى التخزين طويل الأمد للطاقة.
وهنا تكمن أهمية الموضوع بالنسبة إلى العراق. فالدولة التي بنت اقتصادها لعقود حول تصدير الهيدروكربونات تمتلك اليوم فرصة للنظر إلى مواردها الشمسية وموقعها الجغرافي وبنيتها الصناعية باعتبارها عناصر محتملة في اقتصاد طاقة جديد، شرط ألا تتحول فكرة الهيدروجين الأخضر إلى مجرد شعار آخر من شعارات التنويع الاقتصادي.
اقتصاد الهيدروجين: سوق كبير ولكن التحول لا يزال في بدايته
الهيدروجين ليس صناعة جديدة. فقد تجاوز الطلب العالمي عليه 100 مليون طن سنوياً في عام 2025، لكنه يستخدم أساساً في مصافي النفط وإنتاج الأمونيا والميثانول والصناعات الكيميائية. المشكلة أن معظم هذا الهيدروجين لا يزال ينتج باستخدام الغاز الطبيعي والفحم، ولذلك ترتبط صناعته بانبعاثات كربونية كبيرة.
أما الهيدروجين منخفض الانبعاثات، بما فيه الهيدروجين المنتج من الكهرباء المتجددة، فلم يصل إنتاجه في 2025 إلا إلى نحو مليون طن، أي أقل من 1% من الإنتاج العالمي. وتتوقع وكالة الطاقة الدولية أن يتجاوز نصيبه 1% خلال 2026 للمرة الأولى. وهذا يكشف الفجوة الكبيرة بين الخطاب العالمي حول «اقتصاد الهيدروجين» وبين الحجم الفعلي للسوق النظيفة حتى الآن.
كما تكشف تطورات السوق أن مرحلة الحماس غير المشروط بدأت تفسح المجال أمام حسابات اقتصادية أكثر صرامة. فقد انخفض الحجم المتوقع للمشروعات المعلنة للهيدروجين منخفض الانبعاثات القابلة للتشغيل بحلول 2030 من نحو 49 مليون طن سنوياً في تقديرات سابقة إلى قرابة 37 مليون طن، نتيجة تأجيل أو إلغاء عدد من المشروعات. ومن هذا الحجم، فإن المشروعات العاملة فعلاً أو التي وصلت إلى قرار استثماري نهائي لا تضمن سوى نحو 4.2 ملايين طن سنوياً بحلول نهاية العقد.
هذه الأرقام مهمة لأنها تشير إلى أن العقبة لم تعد تقنية بالدرجة الأولى. التكنولوجيا موجودة، لكن التحديات تتمثل في كلفة الإنتاج، وأسعار الكهرباء، وتمويل المشروعات، وغياب المشترين بعقود طويلة الأجل، وبنية النقل والتخزين، والمعايير التنظيمية التي تحدد ما يمكن وصفه قانونياً بأنه «هيدروجين أخضر».
الكلفة هي جوهر المنافسة
في اقتصاد الهيدروجين، لا تكفي وفرة الشمس أو الرياح. العامل الحاسم هو القدرة على إنتاج الكهرباء المتجددة بكلفة منخفضة، وتشغيل المحللات الكهربائية بمعدلات مرتفعة، وتأمين التمويل الرخيص، ثم الوصول إلى الأسواق بأقل كلفة لوجستية ممكنة.
وهذا يفسر الصعود السريع للصين في الصناعة. فقد أصبحت الصين تستحوذ على نحو 65% من القدرة العالمية المركبة للتحليل الكهربائي، كما تمتلك قرابة 60% من قدرة تصنيع أجهزة التحليل الكهربائي عالمياً. وبلغت كلفة تصنيع وتركيب بعض هذه الأنظمة داخل الصين في 2024 نحو 600 إلى 1200 دولار لكل كيلوواط، مقارنة بنحو 2000 إلى 2600 دولار خارجها، وإن كانت الفجوة تنخفض كثيراً عند إضافة تكاليف النقل والهندسة والإنشاءات.
لذلك فإن المنافسة المستقبلية على الهيدروجين ستكون جزءاً من المنافسة الصناعية العالمية نفسها. الدولة التي تستورد الألواح الشمسية والمحللات والتكنولوجيا والتمويل ثم تنتج الهيدروجين لتصديره قد تظل تحصل على جزء محدود من القيمة المضافة. أما الدول القادرة على بناء سلسلة متكاملة تشمل توليد الكهرباء، والهيدروجين، والصناعات التحويلية، والموانئ والخدمات الهندسية، فستحصل على حصة أكبر بكثير من الاقتصاد الجديد.
الهيدروجين ليس بديلاً للكهرباء
من الأخطاء الشائعة التعامل مع الهيدروجين باعتباره منافساً عاماً للكهرباء. الواقع أن تحويل الكهرباء إلى هيدروجين ثم إعادة تحويل الهيدروجين إلى كهرباء يؤدي إلى خسائر كبيرة في الطاقة، ولذلك لا يكون هذا المسار اقتصادياً عندما تكون الكهرباء المباشرة أو البطاريات قادرة على أداء المهمة نفسها.
القيمة الاقتصادية للهيدروجين تبدأ حيث تصبح الكهرباء أقل ملاءمة: تخزين الطاقة لفترات طويلة، الصناعات التي تحتاج إلى مادة اختزال كيميائية مثل صناعة الحديد، إنتاج الأسمدة، الشحن البحري، وبعض أنواع الوقود الاصطناعي.
وهذا التمييز أساسي لأي استراتيجية عراقية. فالأولوية ليست إنتاج الهيدروجين ثم البحث عن استخدام له، وإنما تحديد القطاعات التي يمكن أن يصبح فيها الهيدروجين العراقي منافساً من حيث الكلفة والقرب من الأسواق والقيمة الصناعية.
مشكلة المياه: القيد الذي لا يجوز تجاهله
قد يبدو العراق للوهلة الأولى مرشحاً طبيعياً لإنتاج الهيدروجين بسبب امتلاكه موارد مائية تاريخية وإمكانات شمسية كبيرة. لكن الواقع المائي العراقي يجعل المسألة أكثر تعقيداً.
إنتاج كيلوغرام واحد من الهيدروجين يحتاج نظرياً إلى قرابة تسعة لترات من المياه النقية، ويرتفع الاستهلاك الفعلي عند احتساب عمليات المعالجة والتبريد والخدمات المساندة. ورغم أن كمية المياه المطلوبة لصناعة الهيدروجين قد تظل محدودة مقارنة بالاستهلاك الزراعي، فإن إقامة صناعة تصديرية بملايين الأطنان في بلد يتعرض لضغط مائي متزايد تفرض ضرورة إدخال الأمن المائي في صميم الحساب الاقتصادي للمشروع.
ولهذا فإن مستقبل الهيدروجين في جنوب العراق ينبغي ألا يبنى على استنزاف المياه العذبة في دجلة والفرات وشط العرب. الخيار الأكثر استدامة هو الربط بين مشروعات الطاقة المتجددة والتحلية، خصوصاً بالقرب من الخليج، بحيث تصبح كلفة المياه جزءاً معروفاً من المشروع بدلاً من تحويل الهيدروجين إلى منافس جديد للزراعة والاستهلاك البشري.
العراق يمتلك ميزة أولية مهمة
الميزة الأكبر للعراق تكمن في المورد الشمسي. ووفق تقييم الوكالة الدولية للطاقة المتجددة، يتراوح الإشعاع الشمسي الأفقي في العراق بين 1550 و2130 كيلوواط/ساعة للمتر المربع سنوياً، بمتوسط يبلغ نحو 1970 كيلوواط/ساعة، فيما تتركز أفضل الموارد في المناطق الجنوبية والغربية. كما أن نحو 97% من مساحة البلاد تقع ضمن نطاقات يمكن أن تحقق إنتاجاً سنوياً يتجاوز 1.6 ميغاواط/ساعة لكل كيلوواط من القدرة الشمسية المركبة.
لكن المفارقة أن مصادر الطاقة المتجددة لا تزال تسهم بأقل من 2% من إمدادات الطاقة العراقية. ولذلك فإن الحديث عن تصدير الهيدروجين الأخضر قبل بناء قاعدة كبيرة للكهرباء المتجددة سيضع العربة أمام الحصان.
الأولوية الاستراتيجية للعراق يجب أن تكون بناء قطاع كهرباء متجددة واسع وقادر على المنافسة. عندها يمكن تخصيص جزء من القدرة الجديدة لإنتاج الهيدروجين في المواقع التي تتوافر فيها شبكات النقل والمياه المعالجة أو المحلاة والبنية الصناعية والمنافذ التصديرية.
البصرة قد تكون نقطة الانطلاق
إذا أراد العراق الانتقال من الإمكان النظري إلى مشروع اقتصادي واقعي، فإن البصرة تمثل الموقع الأكثر منطقية لتطوير أول تجمع صناعي للهيدروجين الأخضر.
فالمحافظة تجمع بين الموانئ، والصناعة النفطية والبتروكيماوية، ومصانع الأسمدة، وشبكات الطاقة، والخبرة الهندسية، والوصول إلى المياه المالحة وإمكانات التصدير البحري. وهذا يسمح ببناء سلسلة قيمة لا يكون هدفها الأول تصدير الهيدروجين الخام، بل استخدامه في إنتاج الأمونيا الخضراء والأسمدة والمنتجات الصناعية منخفضة الكربون.
وهنا تكمن نقطة استراتيجية مهمة: قد يكون تصدير الهيدروجين النقي من العراق إلى أوروبا أقل جدوى من تحويله داخل العراق إلى منتجات أسهل في النقل وأعلى قيمة. فالتسييل أو التحويل والنقل البحري للهيدروجين يضيف تكاليف كبيرة، ولذلك تتجه مشاريع دولية عديدة إلى الأمونيا بوصفها وسيطاً أكثر عملية في التجارة لمسافات بعيدة.
وبهذه الطريقة يستطيع العراق الانتقال تدريجياً من تصدير المادة الخام إلى تصدير منتجات تحتوي على قيمة مضافة أكبر.
من اقتصاد النفط إلى اقتصاد الطاقة
المنافسة الإقليمية بدأت بالفعل. السعودية والإمارات وعُمان ومصر تعمل على بناء مشروعات وممرات تجارية للهيدروجين والأمونيا الخضراء، مستفيدة من انخفاض كلفة الطاقة الشمسية، والقدرة على جذب رأس المال، والبنية التحتية للموانئ والعلاقات التجارية مع أوروبا وآسيا.
وهذا يعني أن وفرة الشمس لن تمنح العراق ميزة تلقائية. فالميزة التنافسية تتكون من المورد الطبيعي، وكلفة رأس المال، وكفاءة المؤسسات، والبنية التحتية، وسرعة اتخاذ القرار، وضمان المشترين، والقدرة على تطوير الصناعات المرتبطة بالمشروع.
ومن هنا يجب ألا تكون استراتيجية العراق «إنتاج أكبر كمية ممكنة من الهيدروجين»، بل استخدام الهيدروجين لإعادة تشكيل قاعدة الاقتصاد. ويمكن البدء بإحلال الهيدروجين منخفض الانبعاثات في الاستخدامات الصناعية القائمة، ولا سيما الأسمدة والتكرير، ثم تطوير الحديد منخفض الكربون والأمونيا الخضراء، قبل التوسع التدريجي في التصدير.
الخاتمة
الهيدروجين الأخضر لا يعني نهاية النفط غداً، ولا يعني أن الماء سيصبح بديلاً مباشراً عنه. لكن التغير الحقيقي يتمثل في أن القيمة الاقتصادية للطاقة خلال العقود المقبلة لن تتحدد فقط بحجم الاحتياطيات تحت الأرض، وإنما أيضاً بالقدرة على إنتاج كهرباء متجددة رخيصة وتحويلها إلى جزيئات ومواد صناعية قابلة للتخزين والتجارة.
بالنسبة إلى العراق، يمثل ذلك فرصة وتحدياً في الوقت نفسه. فالبلاد تمتلك موارد شمسية كبيرة، وقاعدة صناعية مرتبطة بالطاقة، وموانئ وموقعاً جغرافياً مهماً. لكنها تعاني في المقابل من ضعف شبكة الكهرباء، وضغوط المياه، وارتفاع المخاطر الاستثمارية، وبطء البيئة التنظيمية.
لذلك فإن مستقبل العراق في اقتصاد الهيدروجين لن يتحدد بامتلاكه الماء والشمس وحدهما، وإنما بقدرته على تحويلهما إلى ميزة صناعية وجيو-اقتصادية متكاملة.
لقد تأسست القوة الاقتصادية للعراق في القرن العشرين على امتلاك النفط. أما في اقتصاد الطاقة الجديد، فقد تصبح القوة مرتبطة بالقدرة على الجمع بين الشمس والكهرباء والهيدروجين والصناعة والتجارة في سلسلة واحدة. وإذا نجح العراق في بناء هذه السلسلة، فلن يكون الهيدروجين مجرد وقود جديد، بل أداة للانتقال من اقتصاد يعتمد على تصدير الموارد الخام إلى اقتصاد ينتج الطاقة والمواد الصناعية معاً.


