الملح والسياسة: مأساة البصرة بين التراخي والمناكفات

الملح والسياسة مأساة البصرة بين التراخي والمناكفات
تعالج المقالة أزمة ملوحة مياه البصرة بوصفها فشلًا إداريًا وسياسيًا، حيث استُبدلت المعالجة الجذرية بالمناكفات والمحاصصة، وتُرك المواطن يواجه كارثة إنسانية متكررة، فيما غابت المساءلة عن مشاريع المياه المموَّلة دون إنجاز....

في الأسبوع الماضي، أقدم رئيس مجلس محافظة البصرة، خلف البدران (أبو محمود)، على إقناع المجلس بضرورة استبدال بعض مسؤولي الوحدات الإدارية (قائممقام، مدير ناحية)، استجابةً لمطالب بعض المتظاهرين على خلفية تصاعد المدّ الملحي في شط العرب  ، والذي تسبّب في كارثة إنسانية متفاقمة يعانيها المواطن البصري يومياً، في ظل صمتٍ مطبق من الحكومة المركزية، فضلاً عن تظاهرات المواطنين في العديد من مناطق المحافظة وخصوصاً في قضاء شط العرب الذي لا يوجد فيه أي مصدر للمياه الصالحة للاستخدام البشري.

وتُعدّ هذه الأزمة الثانية التي تنهش جسد البصرة بعد أزمة عام 2018، حين أدّى ارتفاع ملوحة مياه شط العرب إلى حالات تسمم واسعة، أصيب خلالها أكثر من (100,000 مواطن)، فغصّت المستشفيات بالمراجعين.

إدارة الأزمة وغياب القرار

ورغم فداحة ما حدث، لم تتخذ الحكومة المحلية أي خطوات جدية وحقيقية للحيلولة دون تكرار الكارثة، واكتفت بالتصريحات الإعلامية الرنّانة، تاركةً المواطن البصري يواجه مصيره في دوامة أزمات متلاحقة، رغم ما خُصص من أموال لمحافظة البصرة، سواءً  للمحافظة أو لمديرية الماء أو مديرية الري.

ومن أبرز الحلول التي طُرحت مشروع (ماء الهدامة)، الذي يهدف إلى نقل المياه من نهر دجلة في شمال البصرة إلى قضاء شط العرب ، وقد خُصص له مبلغ (185 مليار دينار) ، وكانت كالتالي :

1.(94 ملياراً) للمرحلة الأولى المتعلّقة بتجهيز الأنابيب.

2.(91 ملياراً) للمرحلة الثانية المخصصة للتنفيذ، وهي المرحلة التي لا يزال تاريخ إنجازها مجهولاً حتى اليوم!

المحاصصة وتسييس المعالجة

وعلى وقع الأزمة، تم استبدال ثلاثة من رؤساء الوحدات الإدارية في أقضية: (القرنة، الهارثة، وأبي الخصيب) وقد آلت رئاسة قضاء القرنة إلى مرشح تابع لمنظمة بدر، رغم أن القائممقام السابق كان كفوءً ويحمل شهادة الماجستير، وتسلّم منصبه بناءً على مؤهلاته وعلاقاته ، لا على المحاصصة، أما بديله  فقيل إنه تابع لكتلة “تصميم”، فيما أُسند منصب قائممقام الهارثة رسمياً إلى ممثل عن منظمة بدر.

وحين بلغ القرار محافظ البصرة بشكل رسمي ، رفض استبدال قائمي مقامي الهارثة وأبي الخصيب ، فيما مرر قرار استبدال قائممقام القرنة بصمت ، وبذلك تلقّى رئيس مجلس المحافظة صفعة سياسية مدوّية، ستظل عالقة في ذاكرته.

بدلاً من تحمّل مسؤولياتهم كجهة رقابية ومساءلة الجهات التنفيذية بشأن الأموال التي صُرفت لمشاريع المياه دون إنجاز، انشغل رئيس المجلس بتصفية حساباته السياسية، وسعى لتحميل الحلقة الأضعف وزر الفشل.

ومن المؤسف أن رئيس مجلس المحافظة يهرع دائماً إلى اقتسام المناصب مع الكتل السياسية الأخرى، في ظل تفاقم الأزمات ، بدلًا من التصدي لها. وكأن لسان الحال يقول: (شرّ البلية ما يُضحك)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *