المقدمة
تُعدّ شجرة النخيل رمزاً حضارياً واقتصادياً وثقافياً في العراق، وقد ارتبطت هذه الشجرة ارتباطاً وثيقاً بتاريخ بلاد ما بين النهرين منذ آلاف السنين، حتى عُدَّ العراق موطنها الأصلي وتشير الأدلة الأثرية إلى وجود النخلة في مدينة أريدو في جنوب العراق منذ نحو عام (4000 قبل الميلاد)، وكذلك في (مملكة أكد) نحو (2730 ق.م) كما وردت في (مسلة حمورابي) قوانين تتعلق بزراعة النخيل وبيع التمور وفرض العقوبات على قاطعي النخيل، مما يعكس الأهمية الكبرى التي أولاها العراقيون القدماء لهذه الشجرة.
تنوع أصناف النخيل في العراق
يُعد العراق من أكثر الدول تنوعاً بأصناف النخيل، إذ تشير الإحصائيات الزراعية إلى وجود ما يقارب 627 صنفاً، منها نحو 50 صنفاً تجارياً معتمداً في الأسواق المحلية والدولية، وأبرزها:
1-. البرحي
2-. الخضراوي
3-. الخستاوي
4-. الديري
5-. المكتوم
6-. الزهدي
7-. السعيدي
8-. أم الدهن ،….الخ .
التدهور التاريخي في أعداد النخيل
في منتصف القرن العشرين ، وتحديداً قبل عام (1958) ، كان العراق يضم أكثر من (30 مليون نخلة) ، مما جعله في طليعة الدول المنتجة والمصدّرة للتمور، إلا أن الأوضاع السياسية والبيئية والاقتصادية أسهمت في تدهور القطاع الزراعي بشكل عام ، وزراعة النخيل بشكل خاص.
أهم الأسباب المؤدية إلى تراجع أعداد النخيل:
1-. الحروب والنزاعات المسلحة:
أ-. الحرب العراقية الإيرانية (1980-1988) : أدت إلى تدمير آلاف الهكتارات من البساتين، خاصة في مناطق شط العرب، الفاو، وأبو الخصيب. (* ملاحظة: الهكتار = 100X100=10,000 متر مربع)
ب -. حرب الخليج الثانية (1991) : تسببت في موجات نزوح وفقدان السيطرة على الموارد المائية.
ج -. الاحتلال الأمريكي (2003) : شهدت المرحلة ما بعد الاحتلال تجريفاً واسعاً لبساتين النخيل بحجة الأغراض الأمنية.
2-. الضغوط البيئية والمناخية:
أ-. ارتفاع درجات الحرارة.
ب-. ازدياد معدلات التصحر.
ج -. تزايد ملوحة المياه والتربة، خاصة في محافظات الجنوب.
د -. تراجع منسوب نهري دجلة والفرات وتغير أنماط الري بسبب السدود الإقليمية.
2-. الضغوط الاقتصادية والاجتماعية:
أ-. ارتفاع تكاليف الإنتاج (العمالة، المبيدات، الأسمدة).
ب -. انخفاض الأرباح نتيجة ضعف التسويق والدعم الحكومي.
ج-. هجرة السكان من الريف إلى المدن.
د-. اقتلاع النخيل وبيعه للدول المجاورة.
هـ -. تحول الأراضي الزراعية إلى سكنية بسبب غياب التنظيم العمراني وارتفاع أسعار الأراضي.
3-. العوامل الإدارية:
أ-. غياب خطط التنمية الزراعية المستدامة.
ب-. ضعف التشريعات أو عدم تطبيقها.
ج -. قلة الدعم المالي واللوجستي للفلاحين.
د -. ضعف الرقابة على الأراضي الزراعية.
الأهمية الاقتصادية والبيئية للنخيل
1-. اقتصادياً: النخلة تُعد من المحاصيل الاستراتيجية في العراق، إذ تنتج النخلة الواحدة ما يزيد على (150كغم) من التمور سنوياً ، كما تشكل مصدر دخل مهم للأسر الريفية.
2-. بيئياً:
أ-. تقاوم التصحر وتثبّت التربة.
ب-. تقلل من التلوث البيئي عبر عملية التبادل الغازي وامتصاص غاز ثاني أوكسيد الكربون.
ج -. تحسن المظهر الجمالي للمناطق الزراعية.
د-. تسهم في خفض درجات الحرارة والحد من ظاهرة الاحتباس الحراري.
سوق التمور العراقي
تتراوح أسعار التمور العراقية بين ( 2000 – ما يزيد عن 6000 دينار للكيلوغرام الواحد)، ويتوقف السعر على عدة عوامل أبرزها:
1-. نوع التمر.
2-. درجة الجودة والمعالجة (تجفيف، تعليب، تخزين).
3-. طريقة التسويق المحلي والتصدير الخارجي.
4-. دخول السوق العالمية، والمنافسة مع دول مثل السعودية، تونس، إيران، الإمارات.
الصناعات التحويلية المرتبطة بزراعة النخيل
تمثل الصناعات التحويلية للنخيل حلقة مهمة ومتكاملة في سلسلة القيمة المضافة لهذا القطاع الزراعي ، وهي من القطاعات الواعدة التي يمكن أن تساهم بشكل كبير في تنويع مصادر الدخل الوطني وتقليل الاعتماد على الاقتصاد الريعي القائم على النفط.
أبرز الصناعات التحويلية التي تعتمد على النخيل:
1-. صناعة التمور المجففة والمعلبة:
أ-. تشمل فرز التمور، وتجفيفها ، وتعبئتها بطرق صحية وعصرية ، وهي مرحلة أساسية ترفع من القيمة السوقية للتمور محلياً وعالمياً.
ب-. يمكن تطوير مصانع تعتمد على تقنيات الفرز الآلي ، والتعليب الفراغي ، وإنتاج تمور فاخرة مخصصة للتصدير.
2-. صناعة دبس التمر (عسل التمر) :
أ-. يعد الدبس من المنتجات الغذائية التقليدية ذات القيمة الغذائية العالية.
ب-. يُستخدم في التغذية والطب الشعبي ، ويمكن تصديره بعد تطوير تغليفه ومعايير جودته.
3-. إنتاج الخل والكحول الطبي والصناعي:
أ-. تُستخرج بعض أنواع الكحول الطبي والخل العضوي من التمور الفائضة أو منخفضة الجودة، وهي من الصناعات القابلة للنمو في العراق.
4-. إنتاج الأعلاف الحيوانية:
أ-. يُستخدم نوى التمر والسعف المفروم والمخلفات الزراعية الأخرى لإنتاج أعلاف مركّزة ذات محتوى غذائي جيد ، مما يسهم في دعم قطاع الثروة الحيوانية وتقليل كلفة الأعلاف المستوردة.
5-. صناعة الفحم الحيوي (Biochar) :
أ-. يُنتج من مخلفات النخيل (السعف، الجريد، الجذوع) بطريقة التحلل اللاهوائي، ويُستخدم لتحسين خصوبة التربة وتقليل الانبعاثات الكربونية.
6-. الصناعات اليدوية والحرفية:
أ-. تشمل صناعة السلال، الأفرشة، السقوف، الأثاث التراثي من سعف وجذوع النخيل، ويمكن لهذه الحرف أن تُطوَّر لتكون من عوامل الجذب السياحي والثقافي.
7-. استخلاص الزيوت من نوى التمر:
أ-. يدخل زيت نوى التمر في الصناعات التجميلية والصيدلانية ، لاحتوائه على مضادات أكسدة طبيعية ودهون مفيدة للبشرة.
٨ـ. تصنيع كمبوست بقايا النخيل سواء السعف او الجذوع، ويستخدم كسماد عضوي لتحسين خصوبة التربة.
٩ـ. الاستفادة من حبوب اللقاح في مجالات طبية وفي مجالات تغذويه خصوصا لحشرة النحل.
التحديات التي تواجه هذه الصناعات:
1-. ضعف الاستثمار المحلي والأجنبي في هذا القطاع.
2-. عدم توافر البنية التحتية الصناعية الكافية (طرق، كهرباء، مختبرات).
3-. محدودية الأسواق التصديرية وعدم وجود علامة تجارية وطنية للتمور العراقية.
4-. نقص التدريب والمهارات الفنية للعمالة.
5-. غياب التنسيق بين وزارات الزراعة والصناعة والتجارة.
المقترحات لتطوير هذه الصناعات:
1-. إنشاء مدن صناعية متخصصة بمنتجات النخيل في المناطق الزراعية.
2-. تحفيز القطاع الخاص عبر الإعفاءات الضريبية والقروض الميسّرة.
3-. ربط الإنتاج الزراعي بالصناعي عبر عقود شراكة بين الفلاحين والمصانع.
4-. دعم البحوث الزراعية والصناعية لتطوير تقنيات حفظ وتحويل التمور.
5-. الترويج الدولي للتمور العراقية من خلال السفارات والمعارض التجارية.
التوصيات المقترحات.
1-. إعادة الاعتبار للنخلة كرمز وطني وزراعي من خلال تشريعات رصينة.
2-. تشجيع مشاريع زراعة النخيل التعاونية ضمن خطط تنمية مستدامة.
3-. تفعيل دور الإرشاد الزراعي وتعزيز ثقافة الزراعة في المناهج التربوية، مع تطبيقات عملية.
4-. استصلاح الأراضي المالحة باستخدام الأساليب الحديثة (نظام الري بالتنقيط، الزراعة العضوية).
5-. توفير القروض الزراعية منخفضة الفائدة للفلاحين.
6-. منع التجاوز على الأراضي الزراعية من خلال الرقابة وتطبيق القانون.
7-. إنشاء مراكز بحثية متخصصة في زراعة النخيل والأصناف المقاومة للملوحة والجفاف.
8-. الاستفادة من المنتجات الثانوية للنخيل (جذوع، سعف، نوى، علف، حطب حيوي،… إلخ).
9-. إقامة معارض تسويقية للتمور العراقية داخل وخارج البلاد.
10-. تشجيع الاستثمار المحلي والأجنبي في مشاريع التمور.
الخلاصة :
لقد كانت النخلة العراقية شاهدة على مجد حضاري عمره آلاف السنين، ولا تزال رغم كل التحديات قادرة على العطاء. إن إنقاذ النخيل لا يعني فقط الحفاظ على شجرة، بل هو مشروع وطني لحماية الأمن الغذائي، وتوفير فرص العمل، وتحقيق تنمية زراعية مستدامة العراق لا يحتاج فقط إلى النفط ، بل إلى نخيله أيضاً.


