البصرة بين مركزٍ يستنزفها وإقليمٍ ينصفها

البصرة بين مركزٍ يستنزفها وإقليمٍ ينصفها
تُبرز المعالجة اختلال المركزية في إدارة البصرة، رغم مساهمتها الحاسمة في الثروة الوطنية، وتدعو إلى تحويلها إقليماً دستورياً يضمن عدالة توزيع الموارد، وتسريع التنمية والخدمات، واستعادة التوازن بين المركز والأطراف وفق أولويات محلية واقعية....

تُعدّ إشكالية البصرة مع النظام المركزي في العراق واحدة من أقدم القضايا المؤجلة في تاريخ الدولة العراقية الحديثة فمنذ نشأة الدولة لم تكن البصرة محافظةً عادية ، بل القلب الاقتصادي للعراق ونافذته البحرية الوحيدة ومصدره الرئيس للثروة النفطية ومع ذلك تعيش هذه المدينة مفارقة قاسية بين وفرة الموارد وغياب العدالة التنموية بما يكشف خللاً بنيوياً في طبيعة إدارة الدولة .

إن المطالبة بإقليم البصرة ليست فكرة طارئة أو هي وليدة اليوم ، بل تمتد جذورها إلى رؤية مبكرة طرحها المرحوم  السيد (طالب النقيب) في عام 1914م الذي كان أحد مؤسسي الدولة العراقية الحديثة والذي دعا بوضوح إلى تطبيق اللامركزية الإدارية والسياسية ومنح المناطق حق إدارة شؤونها وفق خصوصياتها الاقتصادية والاجتماعية ، فقد أدرك النقيب أن المركزية المفرطة لا تُنتج عدالة ، بل تُراكم التهميش وتُحوّل الأطراف إلى خزانات موارد بلا حقوق متناسبة .

البصرة اليوم تسهم بما يقاربـ(85%) من موارد الموازنة العامة عبر صادرات النفط فضلاً عن أنها تضم أكبر الحقول النفطية في البلاد وفضلاً عن ذلك موقعها الجغرافي الاستراتيجي وموانئها وأراضيها الزراعية الخصبة ورغم ذلك يعاني سكانها من بطالة واسعة وصلت الى أكثر من (40%) وتدهور حاد في الخدمات ونقصٍ في البنى التحتية ، وهو ما يؤكد فشل النظام المركزي في تحويل الثروة إلى تنمية .

وتتجسد اختلالات هذا النظام بوضوح في (قضاء شط العرب) الذي يمثل نموذجاً حقيقياً لما تعانيه البصرة عموماً ، فالقضاء الذي يزيد عدد سكانه على (800ألف نسمة) لا يمتلك أي مصدر فعلي للمياه الصالحة للاستخدام البشري  ولا توجد فيه مستشفى متكاملة  فضلاً عن غياب شبكة المجاري ومحطات معالجة المياه الثقيلة ، كما أن أغلب شوارعه الفرعية تفتقر كلياً إلى شبكات تصريف مياه الأمطار  وهي غير معبّدة بالمرة وهذا ما يجعل حياة السكان اليومية سلسلة أزمات مستمرة ، ويضاف إلى ذلك النقص الحاد في المدارس إذ تعمل أغلبها بنظام الدوام الثلاثي ويتجاوز عدد الطلبة في المدرسة الواحدة أكثر من (ألف طالب) في بيئة تعليمية منهكة .

ورغم هذا الواقع شهدت الأيام الماضية اجتماعاً رسمياً لمسؤولين محليين لمناقشة إزالة التعارضات (ازلة مدرستين ومحطتين كهرباء وما يقار ١٢٠٠ دار سكنية) الخاصة بمدّ سكة الحديد الإيرانية الهادفة إلى نقل البضائع الإيرانية عبر الأراضي العراقية مستقبلاً ، والمفارقة أن رئيس الوحدة الإدارية في قضاء شط العرب كان حاضراً ، في وقتٍ كان الأولى أن تُطرح قضايا القضاء المنكوب خدمياً ، وهو ما يعكس خللاً صارخاً في ترتيب الأولويات إذ تُقدَّم مصالح إقليمية خارجية على حساب أبسط حقوق المواطن البصري .

المستحقات المالية للبصرة:

إلى جانب التهميش الخدمي  تعاني محافظة البصرة من حرمان مالي ممنهج يتمثل في مستحقات متراكمة بذمة الحكومة المركزية ، فالبصرة تمتلك ثلاث فئات رئيسة من الحقوق المالية الدستورية غير المصروفة بشكل كامل، وهي:

أولاً: (50%) من إيرادات المنافذ الحدودية الواقعة ضمن حدودها الإدارية .

ثانياً: الأموال الخاصة بتنمية الأقاليم التي خُصصت لدعم المحافظات المنتجة والمحرومة .

ثالثاً::( 5% ) من إيرادات النفط (البترودولار).

وتشير التقديرات إلى أن الجزء الأكبر من المبلغ المتراكم بذمة الحكومة المركزية والذي يصل إلى نحو(43 ترليون دينار عراقي) ناتج عن عدم صرف مستحقات البترودولار منذ عام 2008 ولغاية اليوم ، وهذا الرقم لا يمثل سوى جزء من حقوق البصرة ، لكنه كفيل وحده بإحداث نقلة نوعية في البنى التحتية والخدمات لو أُدير محلياً بعدالة .

لقد أصبحت المشاريع الخدمية الاستراتيجية رهينة بيد وزارتي التخطيط والمالية اللتين تتذرعان مراراً بعدم توفر التخصيصات المالية ، بينما تبقى حياة المواطن معلّقة بانتظار الموافقات المركزية وفي حال قيام إقليم البصرة  تنتفي هذه الحلقة المعطِّلة ، إذ تُقرّ المشاريع الخدمية مباشرة وفق سلم أولويات محلي واقعي دون الحاجة لموافقات مركزية معقدة .

ختاماً  إن تحويل البصرة إلى إقليم ليس مشروعاً انفصالياً ولا ترفاً سياسياً ، بل ضرورة دستورية وتنموية وإنسانية ، إنه استعادة لمسار عقلاني دعا إليه المرحوم (طالب النقيب) منذ بدايات الدولة وخطوة نحو عراقٍ متوازن يعيد تعريف العلاقة بين المركز والأطراف على أساس العدالة لا الاستنزاف ، والدستور العراقي كفل هذا الحق ويبقى على أبناء البصرة تحويله من نصٍ معطّل إلى واقعٍ منقذ فالقرار الأول والأخير بيد المواطن وحده وعليه أن يقول كلمته أمام المركز وبكل شجاعة .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *