بين ترشيد الإدارة وتجفيف المعرفة: قراءة اجتماعية في قرار عدم احتساب الشهادات أثناء الخدمة

بين ترشيد الإدارة وتجفيف المعرفة قراءة اجتماعية في قرار عدم احتساب الشهادات أثناء الخدمة
قرار رفع احتساب الشهادات المكتسبة أثناء الخدمة يتجاوز الإصلاح الإداري إلى تجفيف حوافز التطوير الذاتي وتكريس ثقافة المحاصصة على حساب الكفاءة. الحل ليس في إقصاء العلم، بل في تنظيمه وفق معايير رصينة تحمي الإدارة من الشكليات وتصون قيمة الجهد المعرفي الجاد...

لم يكن قرار مجلس الوزراء بعدم احتساب الشهادات الأكاديمية التي يحصل عليها الموظف أثناء الخدمة قراراً إدارياً عادياً ، بل أثار جدلاً واسعاً تجاوز الأوساط الوظيفية إلى المجالين الاجتماعي والمعرفي لما يحمله من دلالات تتصل بعلاقة الدولة بالعلم وبوظيفة التعليم العالي في تطوير المؤسسات العامة ، فالدولة  حين تعيد تعريف القيمة الوظيفية للشهادة إنما تعيد في الوقت ذاته رسم حدود الحراك الاجتماعي والمعرفي داخل جهازها الإداري!!.

من منظور اجتماعي يشكّل ارتفاع المستوى التعليمي للموظفين أحد أهم أدوات التنمية المؤسسية المستدامة ، فالشهادة الأكاديمية الرصينة ليست ورقة إضافية في الملف الوظيفي ، بل تراكم معرفي ومهاري ينعكس على جودة الأداء وأساليب اتخاذ القرار والقدرة على الابتكار وحل المشكلات ، الموظف المتعلّم أكثر قابلية لفهم التعقيدات الإدارية الحديثة وأكثر استعداداً للتعامل مع متغيرات التكنولوجيا والإدارة الرشيدة  وهو ما تحتاجه المؤسسات الحكومية في بيئات متحركة ومعقدة وخصوصاً في العراق .

وتتضاعف أهمية الشهادات العليا حين تُمنح أدوارها الوظيفية الحقيقية داخل المؤسسة ، فحاملو الدبلوم العالي والماجستير والدكتوراه يفترض أن يكونوا خزّان الخبرة التحليلية والتخطيطية  لا مجرد موظفين عاديين تُهدر قدراتهم في وظائف نمطية ، غير أن الواقع الإداري العراقي يكشف مفارقة مؤلمة  ، إذ تراجعت المكانة العملية لأصحاب الشهادات العليا لصالح منظومة المحاصصة الحزبية ، التي قدّمت الانتماء السياسي على الكفاءة العلمية وجعلت من المتحزبين (حتى من دون مؤهلات رصينة) أكثر نفوذاً وتأثيراً من أصحاب الاختصاص ، في هذا السياق بدا القرار وكأنه يعاقب المعرفة بدل أن يحمي الإدارة .

ولا يمكن مناقشة هذا القرار بمعزل عن الظروف القاسية التي يمر بها طالب الدراسات العليا الموظف ، فهو يعيش تحت ضغط ثلاثي الأبعاد (ضغط العمل الوظيفي اليومي ، وضغط المتطلبات الأكاديمية الصارمة من بحث ودراسة ، وضغط الحياة المعيشية والعائلية في ظل أوضاع اقتصادية صعبة) اختيار هذا المسار لم يكن ترفاً ، بل استثماراً شخصياً في تطوير الذات وخدمة المؤسسة والدولة ، تجاهل هذا الجهد عبر عدم احتساب الشهادة لا يُضعف فقط الدافعية الفردية ، بل يبعث برسالة اجتماعية سلبية مفادها أن الاجتهاد العلمي لا قيمة عملية له في العراق الحديث!!.

مع ذلك  ومن باب التقييم المتوازن لا يمكن إنكار أن للقرار دوافع إدارية مفهومة تتعلق بمحاولات الحد من الشهادات (غير الرصينة) أو تلك التي تُمنح من مؤسسات تعليمية “ضعيفة” أو “غير معترف” بها ، فضلاً عن ضبط التضخم الوظيفي والعناوين الأكاديمية داخل الجهاز الحكومي ، هذه المخاوف حقيقية لكنها لا تبرر الحل الجذري القائم على الإلغاء الشامل .

فالتصحيح المنطقي للقرار لا يكون بإقصاء الشهادات ، بل بتنظيمها ، وكان الأجدر بمجلس الوزراء الاعتماد على معايير (وزارة التعليم العالي والبحث العلمي) في الاعتراف بالشهادات وربط الاحتساب الوظيفي (بنوع الجامعة  ، ورصانة البرنامج ، وتوافق الاختصاص مع حاجة المؤسسة) بهذا الشكل تُحمى الإدارة من الشهادات الشكلية  وتُصان في الوقت نفسه قيمة التعليم الجاد .

فمن الناحية “المهنية”  يؤدي القرار بصيغته الحالية إلى تجفيف حوافز التطوير الذاتي داخل المؤسسات الحكومية  ويُضعف الاستثمار البشري طويل الأمد ، ومن الناحية “الاجتماعية” يكرّس شعور الإحباط لدى الفئات المتعلمة  ويعمّق الفجوة بين المعرفة والسلطة ويعزز ثقافة الولاء الحزبي على حساب الكفاءة ، أما من حيث “الجدوى العامة” فإن أي سياسة عامة تقلل من قيمة العلم لا يمكن أن تنتج إدارة حديثة أو دولة قادرة على الإصلاح والبناء والتنمية المستدامة !.

ختاماً ((لا تُبنى الدول بتكديس القرارات الإدارية ، بل ببناء الإنسان المؤهل داخل مؤسساتها)) وأي إصلاح إداري حقيقي يبدأ من إعادة الاعتبار (“للمعرفة”) لا إقصائها .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *