خيانة الحلفاء وسقوط الوهم: كيف كرّست روسيا والصين هيمنة أمريكا على النظام العالمي

خيانة الحلفاء وسقوط الوهم: كيف كرّست روسيا والصين هيمنة أمريكا على النظام العالمي
يُبرز النص انهيار الثقة بحلفاء روسيا والصين، واستثمار الولايات المتحدة للفراغ الاستراتيجي لتعزيز نفوذها، مؤكداً أن القوة دون حماية الحلفاء تفقد الشرعية القيادية في النظام الدولي....

شهد النظام الدولي خلال السنوات الأخيرة تحولات متسارعة، كان أبرزها سقوط أو تراجع حلفاء تقليديين لروسيا والصين واحدًا تلو الآخر، مقابل تمدد واضح للنفوذ الأمريكي، هذا الواقع لم يعد تفصيلًا عابرًا في توازنات السياسة الدولية، بل تحول إلى مؤشر بنيوي على اختلال عميق في معادلة القوة العالمية، وعلى فشل القوى التي ادعت مناهضة الهيمنة الأمريكية في حماية حلفائها عند لحظة الاختبار.

اولا : وهم التحالف في مواجهة الحقيقة

قدمت موسكو وبكين نفسيهما لسنوات بوصفهما قطبين صاعدين قادرين على كسر التفرد الأمريكي، وروجتا خطاب الشراكة الاستراتيجية وتعددية الأقطاب، ما دفع دولًا وأنظمة إلى الرهان عليهما كبديل عن المظلة الأمريكية، غير أن هذا الخطاب اصطدم بواقع مختلف، فالدعم الذي قدم للحلفاء كان في معظمه سياسيًا وإعلاميًا، ولم يرتقِ إلى مستوى الالتزام الاستراتيجي القادر على منع السقوط أو تغيير مسار الأحداث.

في السياسة الدولية، الحليف الذي يُدفع إلى التصعيد ثم يُترك وحيدًا في مواجهة الضغوط، لا يمكن توصيف ما جرى بحقه إلا بوصفه خيانة ثقة سياسية، مهما حاولت القوى الكبرى تبرير ذلك بمنطق المصالح.

ثانيا : روسيا: العجز المقنّع بالواقعية

تبدو روسيا اليوم مثقلة بأعباء حرب أوكرانيا، وقد استُنزفت قدراتها العسكرية والاقتصادية إلى حد قيّد قدرتها على التدخل الحاسم خارج نطاقها الحيوي المباشر، أمام هذه الكلفة اختارت موسكو الحفاظ على موقعها الدولي ولو كان الثمن التضحية بحلفاء راهنوا عليها.

هذا السلوك لا يعكس فقط تراجعًا في القدرة، بل يكشف خللًا في مصداقية الدور الروسي كضامن أو حامٍ ويحوّل تحالفاته إلى أوراق قابلة للحرق عند أول منعطف حاد.

ثالثا : الصين: انسحاب بارد بلا التزامات

أما الصين، فقد انتهجت نمطًا مختلفًا من التخلي، بكين لا تنظر إلى التحالفات من زاوية الالتزام السياسي أو الأمني، بل من زاوية المصلحة الاقتصادية الصرفة، لذلك جاء دعمها مشروطًا ومحدودًا وسريع التلاشي، عندما ارتفعت كلفة المواجهة مع الولايات المتحدة.

الصين لم تخن حلفاءها بصخب، بل تخلّت عنهم بصمت محسوب، وهو أخطر أشكال الخذلان، لأنه يُفرغ التحالف من مضمونه دون إعلان الانسحاب منه صراحة.

رابعا : أمريكا انتصار بلا حرب

في المقابل، استطاعت الولايات المتحدة استثمار هذا الفراغ بذكاء، لم تحتج واشنطن إلى حروب شاملة أو تدخلات مباشرة، بل اعتمدت على إنهاك الخصوم، وضرب مصداقية روسيا والصين كقوتين حاميتين، وتوظيف العقوبات والضغط السياسي والاقتصادي.

وخلال عهد ترامب على وجه الخصوص، فُرضت معادلة ردع غير تقليدية قائمة على الصدمة وعدم التنبؤ، ما أربك موسكو وبكين ودفعهما إلى التراجع خطوة إلى الخلف، وبهذا لم يسقط الحلفاء فقط، بل سقط معهم وهم “القطب البديل” القادر على مواجهة واشنطن.

خامسا : قبضة أمريكية مشددة

لا شك أن سقوط حلفاء روسيا والصين عزّز قبضة الولايات المتحدة على النظام العالمي، وأعاد تثبيت قيادتها للمشهد الدولي سياسيًا واقتصاديًا أمنيًا، غير أن هذا التفوق يبقى مرحليًا ناتجًا عن ضعف الخصوم أكثر من كونه نهاية الصراع على شكل النظام الدولي، فنحن أمام إعادة تثبيت للهيمنة الأمريكية لا ولادة نظام عالمي جديد.

سادسا: سقوط الثقة قبل سقوط الحلفاء

ما جرى لا يمكن تفسيره بوصفه واقعية سياسية فقط، الذي انهار أولًا هو الثقة بروسيا والصين كبديل استراتيجي حقيقي لأمريكا، فالقوة التي لا تحمي حلفاءها عند لحظة الخطر تفقد شرعيتها القيادية مهما امتلكت من أدوات أو خطاب.

لقد فضّلت موسكو وبكين سلامة موقعيهما على الالتزام والمصالح الضيقة على الشراكة، وبهذا القرار ساهمتا بشكل مباشر في تكريس الهيمنة الأمريكية التي ادّعتا معارضتها، فواشنطن لم تنتصر لأنها الأقوى وحدها بل لأن خصومها تراجعوا وتركوا الساحة فارغة.

وفي عالم تحكمه المصالح لا الشعارات، تبقى حقيقة واحدة لا تقبل الجدل:

من لا يحمي حلفاءه عند الاختبار، لا يقود نظامًا عالميًا، بل يُستخدم فيه.

ماجستير علاقات دولية ودبلوماسية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *