تشي المعطيات المتداولة في الإعلام الإسرائيلي بأن رفع جاهزية القوات الجوية لا ينفصل عن قراءة مركّبة للاحتجاجات الجارية في المدن الإيرانية، حيث تتقاطع الحسابات العسكرية مع الرهانات السياسية والنفسية.
فإسرائيل، التي تُجيد العمل في مناطق الرماد، لا تتعامل مع الداخل الإيراني بوصفه حدثاً إجتماعياً صرفاً، بل كمتغير أمني قد يفتح نوافذ ضغط جديدة، أو يفرض في المقابل سقوف حذر أعلى خشية الانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة.
اللافت في هذا السياق ليس فقط الاستنفار الجوي أو الاجتماعات المكثفة بين قادة الجيش والاستخبارات، بل التوجيه الصارم للمسؤولين الإسرائيليين بعدم التعليق علناً على ما يجري داخل إيران.
هذا الصمت الظاهر يعكس إدراكاً عميقاً لحساسية اللحظة؛ فالتدخل اللفظي أو التلميح السياسي قد يمنح طهران ذريعة لإعادة توصيف الاحتجاجات بوصفها “مؤامرة خارجية”، بما يؤدي إلى تماسك داخلي مضاد يُفشل أي رهان على تفكك الجبهة الداخلية.
في المقابل، يبرز الدور الأمريكي بأسلوب مختلف وأكثر فجاجة، كما في تغريدة مايك بومبيو التي جمعت بين تهنئة المحتجين والإيحاء بحضور استخباري إسرائيلي بينهم. مثل هذا الخطاب لا يهدف إلى توصيف واقع بقدر ما يسعى إلى حرب نفسية مزدوجة وهي رفع معنويات الشارع الإيراني من جهة، واستفزاز النظام ودفعه إلى ردود فعل أمنية قاسية من جهة أخرى، بما يفاقم العزلة الدولية ويُعيد إنتاج صورة “الدولة القامعة”.
التوقعات، في ضوء هذه المؤشرات، تميل إلى استبعاد اندلاع حرب شاملة في المدى المنظور، رغم رفع الجاهزية العسكرية. فإسرائيل تدرك أن أي مواجهة مباشرة مع إيران في هذه اللحظة ستوحّد الداخل الإيراني بدل تفكيكه، وستنقل الصراع من ساحته الرمزية والاقتصادية إلى ساحة عسكرية مفتوحة ذات كلفة إقليمية عالية.
الأرجح هو استمرار سياسة “الضغط المركّب” من خلال ترك الداخل الإيراني يغلي دون تبنٍّ مباشر، واستثمار التصريحات الأمريكية النارية كبديل عن التورط الإسرائيلي العلني، مع إبقاء خيار الضربة العسكرية حاضراً كورقة ردع لا كخيار أول.
إن ما يجري اليوم ليس اختباراً لقوة الشارع الإيراني وحده، بل لقدرة الخصوم على إدارة الصراع دون كسره.
فبين صمت الطائرات الإسرائيلية وضجيج الشوارع الإيرانية، تُدار معركة أعصاب طويلة، عنوانها الأبرز: من يتعب أولاً، النظام أم خصومه، دون أن تُطلق رصاصة واحدة.


