الحلم الذهبي للاستراتيجية الصهيونية؛ تفتيت الشرق الأوسط وإيران بوصفها العقبة الكبرى

الحلم الذهبي للاستراتيجية الصهيونية؛ تفتيت الشرق الأوسط وإيران بوصفها العقبة الكبرى
يعالج المقال الرؤية الاستراتيجية الصهيونية القائمة على تفتيت الشرق الأوسط وفق منطق عوديد ينون ويبرز إيران كعقبة مركزية أمام الهيمنة الإسرائيلية موضحًا أدوات الضغط عليها ومخاطر سياسات التفكيك ومؤكدًا أن المواجهة الحقيقية تكمن في بناء الدولة والوعي الإقليمي.....

منذ عقود، شكّل تفتيت الشرق الأوسط إلى كيانات ضعيفة ومتناحرة أحد المرتكزات غير المعلنة، والمعلنة أحياناً، في التفكير الاستراتيجي الصهيوني. وتُعدّ وثيقة عوديد ينون، التي نُشرت مطلع ثمانينيات القرن الماضي، التعبير الأكثر وضوحاً عن هذا التصور؛ إذ رأت أن أمن إسرائيل واستقرارها لا يتحققان عبر التسويات السياسية فقط، بل من خلال إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية للمنطقة على أسس طائفية وعرقية، بما يضمن تفوق إسرائيل بوصفها الدولة الأقوى والأكثر تماسكاً.

تقوم رؤية ينون على فرضية مركزية مفادها أن الدول العربية والإقليمية الكبرى، بما تمتلكه من عمق سكاني وجغرافي وثروات طبيعية، تشكل تهديداً كامِناً طويل الأمد، حتى وإن بدت ضعيفة أو منشغلة بأزماتها الداخلية.

ومن هنا، فإن إضعاف هذه الدول من الداخل، أو تفكيكها إلى وحدات أصغر، يُعدّ خياراً استراتيجياً أكثر فاعلية وأقل كلفة من المواجهة العسكرية المباشرة.

غير أن مسار العقود الماضية كشف أن المشروع التفتيتي، رغم ما حققه من اختراقات في بعض الدول العربية، اصطدم بعقبة إقليمية صلبة تتمثل في إيران.

فإيران، بعد ثورة 1979، لم تعد مجرد دولة إقليمية تقليدية، بل تحولت إلى فاعل استراتيجي يمتلك مشروعاً سياسياً وأمنياً وعقائدياً عابراً للحدود، ويقف على الضد من الرؤية الإسرائيلية للمنطقة.

هذا التناقض البنيوي جعل من إسقاط نظام الحكم في إيران، أو تحييده جذرياً، هدفاً محورياً في الحسابات الإسرائيلية والغربية المتقاطعة.

تُدرك إسرائيل أن استمرار النظام الإيراني يعني بقاء محور إقليمي قادر على موازنة التفوق الإسرائيلي، سواء عبر النفوذ السياسي في دول الإقليم، أو عبر أدوات الردع غير التقليدية.

لذلك، فإن أي تفرد إسرائيلي بالمنطقة، كما تتصوره وثيقة ينون ومن سار في فلكها، يظل منقوصاً ما دامت إيران قائمة بوصفها قوة إقليمية وازنة، قادرة على تعطيل مشاريع الهيمنة وإعادة رسم الخرائط وفق المصالح الإسرائيلية.

في هذا السياق، يمكن فهم الضغوط المتعددة الأبعاد التي تُمارَس على إيران وتبدا من عقوبات اقتصادية خانقة، حرب إعلامية ونفسية، دعم حركات معارضة، وتهديدات عسكرية مباشرة أو غير مباشرة. فإسقاط النظام، أو دفعه إلى الانهيار الداخلي، يُنظر إليه بوصفه الحلقة المفصلية التي تفتح الطريق أمام إعادة ترتيب المنطقة بما يخدم التفوق الإسرائيلي طويل الأمد.

لكن التجربة التاريخية تُظهر أن الرهان على التفتيت والفوضى يحمل في طياته مخاطر جسيمة.

فالمنطقة التي تُدار بمنطق الكسر الدائم للدول قد تنتج فراغات أمنية وقوى غير قابلة للضبط، وهو ما قد ينقلب، على المدى البعيد، حتى على من خطط له. ومع ذلك، لا يزال “الحلم الذهبي” للاستراتيجية الصهيونية حاضراً في الذهن السياسي الإسرائيلي، وإن اختلفت أدواته وتكتيكاته بتغير الظروف الدولية.

إن إدراك هذه الرؤية لا يعني التسليم بحتميتها، بل يستوجب وعياً إقليمياً مضاداً، يقوم على تعزيز مناعة الدول، ومعالجة أزماتها الداخلية، وتفكيك أسباب الهشاشة التي تجعل مشاريع التفتيت ممكنة. فالمعركة في جوهرها ليست فقط عسكرية أو أمنية، بل معركة وعي وبناء دولة، في مواجهة مشروع يرى في الانقسام الدائم شرطاً للهيمنة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *