في كل أسبوع، يدفع السوق العراقي فاتورة جديدة لقرارات لم تُناقش بجدية، ولم تُعارَض بقوة، ولم يُسأل عن أثرها الحقيقي على من يعيشون داخل الأسواق لا داخل قاعات الاجتماعات. المشكلة لم تعد في القرار وحده، بل في غياب من يُفترض أن يضع هذا القرار على ميزان الخسارة والربح باسم التجار
منذ انتهاء الدورة القانونية لاتحاد الغرف التجارية في عام 2022، دخل الاتحاد في حالة أشبه بـ“الكمون الإداري”. قيادة بلا تفويض انتخابي، وتمثيل بلا قاعدة، وحضور شكلي في ملفات تمسّ لقمة عيش آلاف التجار. ومع ذلك، استمر الاتحاد في الظهور كأنه الطرف الشرعي الذي يتحدث باسم السوق، بينما السوق نفسه كان آخر من يُستشار.
لم يقتصر اخفاق اتحاد الغرف التجارية العراقية في المرحلة الممتدة من ما بعد انتهاء دورته القانونية عام 2022 وحتى حركة التصحيح في 2026 على الصمت الإعلامي أو ضعف المواقف العلنية، بل تجلّى بصورة أكثر خطورة داخل اللجان الحكومية المعنية بإصدار مقررات تمسّ النشاط التجاري مباشرة. ففي الوقت الذي يفترض فيه أن يكون الاتحاد طرفًا فاعلًا، ناقلًا دقيقًا لمعاناة الأسواق، ومدافعًا عن مصالح التجار، تحوّل تمثيله داخل تلك اللجان إلى تمثيل شكلي منزوع الأثر.
الأسبوع تلو الآخر، تتكدس القرارات: منع هنا، تقييد هناك، تعليمات متضاربة، ورسوم تُفرض باسم الإصلاح. وفي كل مرة، ينتظر التجار موقفًا واضحًا من اتحادهم، فلا يجدون سوى بيانات فضفاضة، مليئة بمصطلحات “التفهم” و”التعاون” و”دعم توجهات الدولة”. كلمات لا تُعيد شاحنة محتجزة، ولا تُخفّض كلفة تخليص، ولا تُنقذ عقدًا تجاريًا من الانهيار
الأخطر من الصمت العلني، كان ما يجري خلف الأبواب المغلقة، داخل اللجان الحكومية المشتركة. هناك، حيث تُصاغ التعليمات وتُمرَّر المقررات، لم يكن التاجر حاضرًا فعليًا. من مثّل الاتحاد لم يكن ابن السوق، بل مستشارًا مُعيّنًا، لا يواجه الزبائن، ولا يدفع الغرامات، ولا يتحمل خسارة البضاعة المتوقفة على الحدود
لقد جرى اعتماد مستشارين وأشخاص مقرّبين من القيادة لتمثيل الاتحاد في لجان تتعلق بالتعرفة الكمركية، آليات الاستيراد، تنظيم السوق، الرسوم، والتعليمات التنفيذية، دون أن يكون لهؤلاء أي ارتباط حقيقي بمعاناة التاجر اليومي، أو اطلاع ميداني فعلي على اختناقات السوق. هؤلاء المستشارون لم يُنتخبوا من القاعدة التجارية، ولم يخضعوا لتفويض أو مساءلة، بل جرى تعيينهم وفق معايير الولاء الإداري وقابلية التفاهم مع السلطة لا وفق معيار الكفاءة أو التمثيل الحقيقي.
هؤلاء المستشارون، الذين لم يأتوا بتفويض من القاعدة التجارية، أدّوا دورًا مريحًا للسلطة. لا اعتراض حاد، لا انسحاب احتجاجي، لا طرح بدائل حقيقية. مجرد ملاحظات ناعمة تُسجَّل في محضر الاجتماع، ثم تُنسى مع أول توقيع. وهكذا تحولت اللجان من ساحات تفاوض إلى غرف تمرير هادئ
في السوق، كانت الصورة مختلفة تمامًا. تاجر صغير يغلق محله، مستورد متوسط يعلّق نشاطه، ورأس مال يبحث عن طريق للخروج. وبين هذا وذاك، اتحاد يكتفي بالمراقبة. المفارقة أن الاتحاد لم يُزعج الحكومة يومًا، لكن الحكومة أزعجت السوق كل يوم. وحين يُسأل الاتحاد عن دوره، يكون الجواب دائمًا: نحن جزء من القرار. لكن أي قرار هذا الذي لا يخفف خسارة، ولا يمنع ضررًا.
والأخطر من ذلك أن هذا النمط من التمثيل لم يكن محايدًا أو سلبيًا فقط، بل أسهم فعليًا في تمرير مقررات حكومية ضارة بالقطاع التجاري، عبر:
- تخفيف لهجة الاعتراض
- تبرير القرارات تحت ذريعة “الظرف العام”
- القبول بتعليمات غير قابلة للتطبيق
- تجاهل التحذيرات الصادرة من الأسواق والغرف المحلية
لقد أصبحت مشاركة الاتحاد في اللجان الحكومية أقرب إلى الحضور لتسجيل موقف حكومي مسبق الصياغة، لا إلى عملية تفاوض أو ضغط مؤسسي. فالمستشار الذي جاء بترشيح من القيادة، وليس بتفويض من التجار، لا يرى نفسه ممثلًا للسوق بقدر ما يراه وسيطًا مريحًا بين الحكومة والاتحاد، مهمته الأساسية عدم إزعاج صانع القرار.
التمثيل الحقيقي لا يعني الجلوس على الطاولة، بل القدرة على قلبها عند الضرورة. لا يعني التقاط الصور، بل استخدام الوزن الاقتصادي للضغط. لا يعني تكرار خطاب السلطة، بل مواجهته حين يخطئ. وما حدث خلال السنوات الماضية أن الاتحاد اختار السلامة السياسية على حساب السوق، والعلاقة على حساب المصلحة، والصمت على حساب الخسائر
وهنا تتجلى المفارقة التهكمية؛ إذ بينما كانت الأسواق تعاني من: تعقيد إجراءات الاستيراد، تضارب التعليمات، تعدد الجهات الرقابية، وارتفاع الكلف غير الرسمية، كان ممثلو الاتحاد داخل اللجان الحكومية يتحدثون عن “تفهم الإجراءات” و”أهمية التعاون” و”دعم توجهات الدولة”، دون أن يطرحوا بدائل عملية أو يلوّحوا بأدوات الضغط المشروعة.
إن هذا الشكل من التمثيل أفرغ فكرة “الشراكة بين القطاعين العام والخاص” من مضمونها الحقيقي، وحوّلها إلى شراكة خطابية غير متكافئة؛ حكومة تُقرر، ومستشارون يُباركون، واتحاد يوقّع، وسوق يدفع الثمن.
وبذلك، لم يعد إخفاق الاتحاد مقتصرًا على ضعف الأداء، بل أصبح جزءًا من المشكلة، حين قبل أن يُمثَّل التجار بأشخاص:
لا يعيشون خسائرهم،
لا يتحملون تبعات القرارات،
ولا يرون في السوق سوى ملف إداري يُدار لا كيانًا اقتصاديًا يجب حمايته. إن حركة التصحيح في 2026 لم تكن ردّ فعل سياسيًا عابرًا، بل كانت نتيجة طبيعية لتراكم هذا النمط من التمثيل الزائف، حيث أدركت القاعدة التجارية أن صوتها داخل اللجان الحكومية لم يعد صوتها، بل صدىً باهتًا لمصالح من عُيّنوا لإرضاء السلطة لا لمواجهة اختلالاتها.
اليوم “حركة تصحيح” في 2026 لم تأت من فراغ. جاءت نتيجة تراكم الغضب، وتآكل الثقة، وشعور التجار بأن صوتهم اختُطف لصالح تمثيل إداري لا يُشبههم. التصحيح ليس صراع أشخاص، بل صراع وظيفة: هل الاتحاد ممثل للسوق أم ملحق إداري بالحكومة.
ورغم هذا المشهد المثقل بالإخفاقات، فإن الصورة ليست قاتمة كما تبدو. فالسوق العراقي، بخبرته وتراكمه ورأس ماله الاجتماعي، أثبت مرارًا أنه قادر على تصحيح مساره متى ما استعاد صوته. وحركة التصحيح التي بدأت تتشكل في 2026 ليست مجرد ردّ فعل، بل مؤشر نضجٍ تجاري جديد، يرفض التمثيل الشكلي، ويطالب بشرعية حقيقية ومواقف واضحة.
الفرصة ما تزال قائمة لأن يتحول اتحاد الغرف التجارية من عبءٍ إداري إلى قوة اقتصادية فاعلة، شرط أن يعود إلى قاعدته، ويستمد قراره من السوق لا من المكاتب، وأن يُمثَّل التجار بمن يعرف خسارتهم قبل أرباحهم، ويشعر بثقل القرار قبل أن يوقّعه. اتحادٌ كهذا لا يخاصم الدولة، بل يصحّح لها، ولا يعطّل القرار، بل يُحسّنه.
وحين يستعيد الاتحاد دوره الطبيعي، ستجد الحكومة نفسها أمام شريك حقيقي، لا تابعٍ صامت، وستستعيد السوق شيئًا من الاستقرار، وستتحول اللجان من غرف تمرير إلى ساحات نقاش جاد. عندها فقط، لن يكون التاجر خصمًا للإصلاح، بل أحد صانعيه، ولن تكون القرارات عبئًا، بل جزءًا من رؤية مشتركة.
هذه ليست أمنيات، بل نتيجة ممكنة إذا ما أُعيد تعريف التمثيل، واحترمت الشرعية، وامتلكت القيادة الشجاعة. فالسوق لا يطلب المستحيل، بل يطلب من يمثله بصدق… وحين يحدث ذلك، سيتحوّل الصمت الذي أثقل الأسواق، إلى صوتٍ يُصلح قبل أن يُعارض، ويبني قبل أن يحتج . فإمّا أن يتكلم الاتحاد باسم السوق… أو يكتفي بالصمت باسم نفسه.


