في قراءة مقارنة للتجربتين السورية والفنزويلية، يتضح أن القاسم المشترك الحاسم بين سورية في المرحلة التي سبقت سقوط نظام بشار الأسد، وفنزويلا خلال سنوات الضغط الأقصى على نظام نيكولاس مادورو، لا يكمن في حجم العقوبات أو في شدة الضغوط السياسية المعلنة، بل في الدور المحوري لما يمكن توصيفه بـ العمل الاستخباري العميق والتنسيق الممنهج مع مفاصل الجيش والأجهزة الأمنية والاستخبارية داخل الدولة المستهدفة.
في كلا الملفين، لم يكن الرهان الأساسي منصبًّا على المواجهة الخارجية المباشرة أو على تدخل عسكري تقليدي واسع النطاق، بل على النفاذ إلى الطبقات الداخلية للسلطة، وإعادة تشكيل موازين القوة من داخلها، عبر إحداث اختراقات دقيقة في بنية القرار، وخلق فجوات مدروسة في سلسلة القيادة والسيطرة. لقد جرى التعامل مع الدولة لا بوصفها كيانًا متماسكًا، بل بوصفها شبكة علاقات قابلة للتفكيك إذا ما جرى الضغط على عقدها الحساسة.
وقد أظهرت التجربتان أن هذا النمط من التنسيق نجح إلى حدٍّ كبير. ففي سورية، قُبيل السقوط، اتجهت قطاعات من الجيش والأجهزة الأمنية إلى الحياد القسري أو التردد العملياتي، فيما فقدت وحدات أخرى القدرة أو الرغبة على خوض مواجهة حاسمة دفاعًا عن النظام. وفي فنزويلا، تكررت الظاهرة نفسها بدرجات متفاوتة، حيث بدا واضحًا أن جزءًا من البنية العسكرية والأمنية لم يعد يمتلك الجهوزية أو الإرادة الكاملة للذهاب إلى مواجهة مفتوحة، وهو ما مهّد الطريق أمام تطورات دراماتيكية وصلت إلى حد اعتقال رأس السلطة نفسه.
هذا التآكل الداخلي في الجهوزية والانضباط لم يكن حدثًا عفويًا، بل نتاج مسار طويل من الضغط النفسي، وإعادة هندسة الولاءات، وبث الشك داخل المؤسسات السيادية. ومع تراجع منسوب التماسك داخل هذه المؤسسات، تضعف تلقائيًا قدرة النظام على المقاومة البنيوية، وتصبح كلفة التدخل الخارجي المباشر أقل بكثير، أو حتى غير ضرورية، لأن الانهيار يكون قد بدأ من الداخل.
إلى جانب ذلك، برز عامل لا يقل أهمية في التجربتين، يتمثل في إدارة دور روسيا بوصفها الداعم الدولي الأبرز. ففي سورية، ولاحقًا في فنزويلا، جرى استخدام قنوات تفاوض ورسائل سياسية واضحة لتوجيه موسكو نحو عدم الانخراط المباشر والمكلف في لحظات مفصلية. لم يكن الهدف بالضرورة إخراج روسيا من المشهد، بل تحييد قدرتها على قلب الموازين عسكريًا، وإبقاؤها ضمن هامش حركة محسوب لا يسمح لها بتعطيل المسار العام للأحداث.
والنتيجة في الحالتين كانت متقاربة: تغيّر في موازين القوى من دون حرب كلاسيكية شاملة. لم يُحسم الصراع عبر اجتياح عسكري تقليدي أو مواجهة دولية مفتوحة، بل عبر الفرسـاة الداخلية، وتآكل الثقة المؤسسية، وتقييد حركة الحلفاء الخارجيين. وهكذا، جرى الانتقال من مرحلة الضغط إلى مرحلة الحسم، من دون أن تتحمل القوى المتدخلة أثمان حرب مباشرة واسعة.
إن ما جرى في سورية، وما يتكرر اليوم في فنزويلا، يكشف بوضوح عن نموذج جديد لإدارة الصراع الدولي؛ نموذج لا يستهدف إسقاط الأنظمة بالقوة الخشنة وحدها، بل يسعى إلى تفريغ الدولة من قدرتها على الصمود، وشلّ بنيتها الداخلية، ودفعها إلى الانهيار أو الخضوع من الداخل. وهو نموذج مرشح للتكرار في ساحات أخرى، ما دامت الأدوات نفسها – الاختراق الداخلي، والعمل الاستخباري، وإدارة أدوار الحلفاء – تثبت فاعليتها بأكلاف أقل ونتائج أعمق.
في ضوء ذلك، تبدو الدروس المستخلصة قاسية وواضحة في آن واحد: معركة بقاء الدول لم تعد تُخاض فقط على خطوط النار، بل في عمق المؤسسات، وفي تماسك القرار، وفي صلابة البنية الأمنية والسياسية من الداخل. ومن لا يدرك هذا التحول في طبيعة الصراع، قد يجد نفسه، كما حدث في دمشق وكما يجري في كاراكاس، أمام سقوط أو تفكك لم يأتِ من الخارج، بل بدأ من الداخل قبل أن يُعلَن على الملأ.
ومع ذلك، لا يمكن القفز فوق حقيقة أساسية مفادها أن ما أقدم عليه الرئيس الأميركي دونالد ترامب، سواء في الحالة الفنزويلية أو في سوابق أخرى، يشكّل انتهاكًا صارخًا وغير قابل للتبرير لقواعد القانون الدولي ومبدأ سيادة الدول، ولا يمكن تغليفه بأي خطاب أخلاقي أو قانوني. غير أن الإدانة القانونية لهذا السلوك لا تلغي حقيقة موازية لا تقل خطورة، وهي أن منطق “شريعة الغاب” من جهة، والعمل الاستخباري العميق والاختراقات الأمنية من جهة أخرى، تضافرا معًا ليشكّلا العامل الحاسم في سقوط بشار الأسد واعتقال نيكولاس مادورو. فالقوة العارية لم تعمل في فراغ، بل وجدت بيئة داخلية مهترئة، ومؤسسات مخترَقة، وسلاسل قيادة متصدعة، ما جعل انتهاك القانون ممكنًا وفعّالًا في آن واحد. وهكذا، لم يكن سقوط الدولتين نتيجة عامل واحد منفرد، بل حصيلة تلاقٍ خطير بين انهيار منظومة القانون الدولي من الخارج، وتآكل مناعة الدولة الوطنية من الداخل، في معادلة تؤشر إلى مرحلة دولية أكثر قسوة، تتراجع فيها الشرعية لصالح القوة، وتُختبر فيها الدول بقدرتها على الصمود الداخلي قبل أي رهان على الحماية القانونية الدولية..


